إن التأمل في سياسات الرئيس دونالد ترامب المتعلقة بتكلفة المعيشة يشبه الدخول في متاهة من المفارقات. ومن أحدث المستجدات في هذه السياسات أنه بعد أن أصرّ لأشهر على أن الرسوم الجمركية لا ترفع الأسعار، وأن الأجانب هم من يدفعونها بالكامل، ها هي الإدارة تقوم الآن بخفض بعض الرسوم، على القهوة مثلاً، بغية خفض أسعارها على المستهلكين الأميركيين. وقد حدث هذا التراجع الطفيف عن حروب ترامب التجارية، لأن الرئيس بدأ يدرك قوةَ قضية أمضى شهوراً وهو يتجاهلها، أو يزيد من تفاقمها. فقد كان التضخمُ العاملَ الأهمَّ في عودته إلى المنصب الرئاسي، لكن بعد تلك العودة، كانت مواجهة كندا والصين والإنفاق العسكري لدول حلف «الناتو».. موضوعات أكثر أولوية بالنسبة له من مكافحة التضخم.
وبالإضافة إلى زيادة الرسوم الجمركية، ضغط ترامب على الاحتياطي الفيدرالي لتخفيف سياسته النقدية، مستنداً إلى نظرية مفادها أن التضخم قد هُزم بالفعل، لكن البيانات ببساطة لا تُساعد في ذلك. ويسعى الاحتياطي الفيدرالي إلى إبقاء مقياسه المُفضّل للتضخم عند 2% سنوياً. وقد استقرّ المعدل قريباً من 3%. ويُطالب ترامب الأميركيين بعدم تصديق «جيوبهم الكاذبة»، لكن ذلك لم يُجدِ نفعاً.
يُعد سجل ترامب في مجال التضخم أحد أوجه اختلافه العديدة عن رونالد ريجان. فعندما تولى ريجان منصبَه، واجه تضخماً مزدوج الرقم. إذ عمد الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية لتخفيضه، على حساب ارتفاع أسعار الفائدة ومع حدوث ركود اقتصادي حاد. خسر «الجمهوريون» بقيادة ريجان عشرات المقاعد في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي عام 1982. لكن ذلك الركود مهد الطريقَ لانخفاض التضخم، مما سمح تالياً بانخفاض أسعار الرهن العقاري وبدء الانتعاش. وبعد عامين، فاز ريجان بولاية رئاسية ثانية، وبأغلبية ساحقة.بيد أن وضع ترامب مختلف، ليس أقلّه لأنه غير مؤهل دستورياً للترشح مرة أخرى.
ومع ذلك، كان يمكنه أن يتّبع مساراً مشابهاً لمسار ريجان. كان بإمكانه أن يقول عند فوزه في 2024: «لقد سمح بايدن والديمقراطيون للتضخم بالخروج عن السيطرة، وأنا أرحب بجهود الاحتياطي الفيدرالي لكبح جماحه، على الرغم من أن ذلك سيكون مؤلماً لبعض الوقت». كما كان بإمكانه أن يتجنب شنّ حروب تجارية واسعة. مع هذا الدعم ومن دون تعقيدات الرسوم الجمركية الضخمة، ربما تمكن الاحتياطي الفيدرالي من خفض التضخم أكثر. وربما عندها كان الأميركيون سيتمكنون - كما حدث في الثمانينيات - من توقع مسار أكثر هبوطاً لأسعار الفائدة في 2026، ما يمنح الجمهوريين فرصة أفضل للاحتفاظ بالكونجرس. بعد استحضار هذا السيناريو المتفائل، دعوني أشير إلى سببين ربما كانا ليمنعاه من التحقق. أولاً، كان بإمكان الاحتياطي الفيدرالي أن يُفرط في تشديد سياسته النقدية، ما قد يُسبب ركوداً حاداً، لكن الاقتصاد كان قوياً بما يكفي في أواخر عام 2024 (وبالتأكيد ليس بالسوء الذي كان عليه في أوائل الثمانينيات) بحيث كان يمكن تجنب هذا الخطر. وكان من شأن ذلك أيضاً أن يُجنّب الوضع الراهن، حيث أصبحت توقعات التضخم المرتفع أكثر رسوخاً - يصعب التراجع عنها - وزاد ضعف الاقتصاد.
وفي الأثناء أصبحت خيارات السياسات العامة أكثر خطورة. وقد يكون معدل التضخم بنسبة 3% هو الحد الأدنى الجديد، كما قد يصبح الركود ضرورياً للحفاظ على استقرار الأسعار على أي حال. أما السبب الثاني فهو أنه لو تدخل الاحتياطي الفيدرالي بقوة أكبر، ربما كان الجمهور سيجد انخفاض التضخم غير مُرضٍ لأنه كان يتطلع إلى ما هو أكبر: يريد الناخبون عودةَ الأسعار إلى مستويات ما قبل موجة التضخم، لا أن تبقى ثابتةً أو ترتفع ببطء.
وهذا الهدف شبه مستحيل، فالأسعار عبر اقتصادات العالم كله نادراً ما تنخفض، وعندما يحدث ذلك عادةً ما يكون علامةً على الأزمة الاقتصادية. لكن هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الناخبين سيمنحون بعض الفضل لانخفاض التضخم حتى لو لم تنخفض الأسعار.
وقد فعل الأميركيون ذلك في ثمانينيات القرن الماضي. وحتى اليوم، فإن نسبة الأشخاص الذين يذكرون التضخم أو ارتفاع تكلفة المعيشة كأكبر مشكلة تواجه البلاد قد انخفضت مع ابتعاد الاقتصاد أكثر عن ذروة التضخم. كان من الأفضل للجمهوريين بقيادة ترامب لو أنهم أصغوا لقلق الجمهور بشأن ارتفاع الأسعار في وقت أبكر. وما يزال أمامه وقت - خاصة لتغيير الآراء قبل انتخابات عام 2028. لكن لإنقاذ انتخابات التجديد النصفي، قد يحتاج ترامب لاختراع آلة زمنية.
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشتن»