يحتاج الجيش الألماني بشكل ملح إلى بضعة آلاف من الجنود الأكفاء، إلا أن بعضهم يرى أن التهديد الخارجي أمراً بعيداً، والدبلوماسية هي الحل الأفضل. علاوة على ذلك، لا يرى هؤلاء أنه عليهم القتال من أجل حكومة جعلت حياته أكثر صعوبة، وهو ما يظهر في انهيار التعليم، وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ إن الشباب لديهم ما يكفي من المشاكل بالفعل.
وأقر البرلمان الألماني، البوندستاغ، منذ أيام مشروع قانون لزيادة حجم الجيش من 183 ألف جندي إلى 255 ألفاً على الأقل بحلول عام 2035، على أمل أن يملأ المتطوعون تلك الفجوة، لكن ابتداء من يناير المقبل، سيلزم جميع من يبلغ 18 عاماً بملء نموذج حول مدى استعدادهم للخدمة، والخضوع لفحص طبي إذا طلب منهم ذلك، فيما يعتبر الخطوة الأولى لإعادة الخدمة العسكرية الإلزامية في حال عدم تلبية المتطوعين للعدد المطلوب.
وفي أوروبا التي تنبهت إلى التهديد الخارجي، تتخذ دول أخرى خطوات مماثلة، إلا أن ألمانيا ربما تواجه التحدي والمخاطر الكبرى. وعلى حد تعبير أحد الخبراء، فإن جهود ألمانيا في إعادة تشكيل نفسها دولة مسالمة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ربما «نجحت أكثر من اللازم»، فالأجيال الأكبر سناً قد نشأت في ظل حركة سلام قوية لعقود، بينما الأجيال الأحدث نشأت في سلام غير مسبوق، ومن دون خدمة عسكرية إلزامية منذ عام 2011، حيث تخيم عليهم ذكريات فظائع الجيش النازي، والخوف من تكرار الماضي.
وأظهر استطلاع رأي حديث أن 18% فقط من الألمان مستعدون «بالتأكيد» لحمل السلاح في حالة حدوث طوارئ وطنية، أما مشروع زيادة الجيش فقد قوبل بإضرابات طلابية في أنحاء البلاد.
ومع تطلع أوروبا لألمانيا لتولي القيادة العسكرية، تواجه ألمانيا مهمة شاقة، فلكي تعيد بناء جيش قادر على الدفاع عن الأمة يتعين عليها التغلب على النفور العميق تجاه القوة العسكرية، الذي أصبح ركيزة أساسية لهويتها بعد الحرب.
ويقول ديمتري ستراتيفسكي، رئيس مركز أوروبا الشرقية في برلين: إن تلك الثقافة المناهضة للحرب أدت دوراً إيجابياً لعقود في تشكيل ألمانيا الجديدة، كمجتمع مسالم ومنفتح ومتنوع، ولكن اليوم أصبح لهذه الثقافة جانب آخر حيث خلق حاجزاً نفسياً لدى ملايين الألمان.
وتُعد تلك العقلية دليلاً على مدى إعادة بناء ألمانيا لنفسها جذرياً. فقد غرست «ثقافة التذكير» بماضي البلاد النازي حذراً من القوة العسكرية، كما غذت حركة سلام في البلاد، ظهرت ملامحها في خروج مليون متظاهر إلى الشوارع عام 1983، عندما سعى حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى نشر صواريخ نووية على الأراضي الألمانية الغربية.
وفي الآونة الأخيرة أدى إحجام ألمانيا في البداية عن إرسال أسلحة ثقيلة إلى أوكرانيا إلى توجيه الاتهامات إلى المستشار السابق أولاف شولتس بأنه وحزبه الاشتراكي لايزالان مقيدين بجذورهما السلمية.
ويقول باتريك كيلر، خبير الشؤون الدفاعية في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، إن التهديد الأعظم لأوروبا ليس ألمانيا القوية، بل ألمانيا الضعيفة، مضيفاً أنه «إذا لم تتول ألمانيا القيادة، فإن العديد من الدول الأخرى في أوروبا لن تتحرك».
وأظهر استطلاع للرأي حديث أن 58% من الألمان يرون ضرورة استعادة التجنيد الوطني، ولكن ما رأي الشباب الألماني؟
من المؤكد أن جامعة برلين التقنية ليست أفضل مكان لتجنيد الجيش، فالملصقات التي تروج للحزب الشيوعي الثوري تنتشر على صناديق القمامة وأعمدة الإنارة، مع ملصقات أخرى تناهض الفاشية وصناعة الأسلحة.
ورغم أن بعض الشباب لا يعترضون عند ذكر موضوع الخدمة العسكرية، ويتذكرون الأشياء الإيجابية التي يرددها أصدقاؤهم في الجيش، إلا أن هناك مخاوف تراود آخرين على الصعيد الوطني، إذ يشعرون وكأن المجتمع يلقي بالفعل العديد من مشاكله التي لم يتم حلها على أكتاف جيل الشباب، مع ارتفاع الإيجارات، وزيادة الضغط على الخدمات الاجتماعية، وتغير المناخ. والآن يريد أن يضيف عبئاً آخر على جيله دون استشارتهم. علاوة على ذلك، يرى العديد من الشباب الألماني أن غزة، وليس أوكرانيا، هي الأزمة الأكثر إلحاحاً.
ونتيجة لذلك، هناك شكوك في قدرة ألمانيا على تحقيق أهدافها من خلال المتطوعين، فالرجال فقط هم من يُطلب منهم ملء الاستمارة الجديدة، وينص الدستور الألماني على أنه لا يجوز إجبار أي شخص على الخدمة العسكرية، ويجب أن تكون الخدمة المجتمعية بديلاً.
إلا أن دكتور كيلر من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية يقول: إن الحصول على تلك الأعداد غير ممكن دون وضع بند إلزامي، مشيراً إلى أن ما تحتاج البلاج بالفعل هو حوار مجتمعي.وربما بدأ هذا الحوار بالفعل، فبعد أن أقر البوندستاغ مشروع قانون الخدمة العسكرية، علّق وزير الدفاع بوريس بيستوريوس على إضرابات المدارس، ووصفها بأنها «رائعة»، مضيفاً أنها إذا كانت تعني أن الشباب يرغبون في إيصال صوتهم، فعليهم ذلك.
* صحفي متخصص في الشؤون الدفاعية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»