سلّطت الزيارةُ الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للهند الضوءَ على الجهود التي يبذلها الجانبان لتدشين مرحلة جديدة من الشراكة وإعادة تنشيط العلاقات التي حافظت على استقرارها رغم التوترات الجيوسياسية المتعددة. وقد استقبلت الهندُ الرئيسَ الروسي استقبالاً حافلاً، حيث كان رئيس الوزراء ناريندرا مودي في استقباله شخصياً لدى وصوله المطار، واستضافه مرتين خلال زيارته التي استمرت يومين، الأولى على مأدبة عشاء خاصة والثانية على مأدبة غداء. وحملت الزيارةُ دلالاتٍ رمزيةً كثيرةً، إذ سعت روسيا والهند إلى إبراز التقارب بينهما، وإلى دفع العلاقات قدماً في ظل تراجع وتيرة النمو في القطاعات التي كانت تشهد نمواً كبيراً، كالقطاع الدفاعي، مقارنةً بالفترة السابقة.
وتعود العلاقات التاريخية بين الهند وروسيا إلى حقبة الحرب الباردة، حين كان البلدان حليفين مقربين. فقد زودت روسيا الهندَ بجميع احتياجاتها العسكرية وبالتكنولوجيا النووية، حتى بعد أن فرض الغربُ عقوباتٍ على نيودلهي عقب التجارب النووية الهندية عام 1998. غير أن هذه العلاقة شهدت تغيرات خلال العقود الماضية نتيجة تحولات جيوسياسية كبرى، مع اقتراب الهند بشكل متزايد من الولايات المتحدة. ومع ذلك، ظلت روسيا مورِّداً رئيسياً للسلاح إلى الهند، رغم تراجع حصتها من إجمالي واردات الهند من الأسلحة من 72% إلى 36%، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
وخلال اللقاء بين الزعيمين، أعرب مودي عن ثقته في أن الصداقة الهندية الروسية ستمنح البلدين القوةَ لمواجهة التحديات العالمية. وتبادل الطرفان 16 اتفاقيةً في مجالات متنوعة شملت الدفاع والتجارة والاقتصاد والرعاية الصحية وتبادل الأكاديميين والثقافة والإعلام. كما أعلنت الهندُ، التي تسعى إلى تنويع تجارتها، أن البلدين يعملان على التعجيل بإبرام اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان.
وفي إطار توسيع نفوذها نحو قلب أوراسيا، منحت الهندُ أولويةً قصوى لتشغيل ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب بشكل كامل. ويبلغ طول هذا الممر الاستراتيجي 7200 كيلومتر، وقد أُسس عام 2000 في سانت بطرسبورغ بمبادرة من الهند وإيران وروسيا، لربط هذه الدول وبلدان آسيا الوسطى وأوروبا، وتعزيز الترابط التجاري بين مناطق جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا. وبالنظر إلى الفرص المتاحة، فقد سلّط رئيس الوزراء الهندي الضوءَ أيضاً على أهمية تطوير ممر «تشيناي–فلاديفوستوك» البحري. ويُعرف هذا المسار أيضاً بالممر البحري الشرقي، وهو طريق بحري بطول 10300 كيلومتر من شأنه تقليص زمن النقل بشكل كبير بين روسيا، بما في ذلك أقصى الشرق الروسي، والهند. وينطلق هذا الممر من مومباي وينتهي في موسكو، مروراً ببندر عباس وباكو وأستراخان في روسيا.
وعلى الصعيد الثنائي، لجأت روسيا، التي تواجه نقصاً حاداً في الموارد البشرية، إلى فائض العمالة في الهند عبر توقيع اتفاقية لتنقل العمالة. وتكتسب هذه الخطوة أهميةً استراتيجيةً عميقةً، إذ ستكون المرة الأولى التي يتوجه فيها العمال الهنود بأعداد كبيرة إلى روسيا، بما في ذلك إقليم الشرق الأقصى الروسي الغني بالموارد، والذي يُعد تطويره أولويةً قصوى للرئيس بوتين الذي ينظر إلى فلاديفوستوك كميناء مرشح ليصبح أحد المحاور الرئيسية لأحدث موجة من الانخراط الاقتصادي بين الهند وروسيا. فالمنطقة تزخر بالنفط والغاز، مع احتياطيات بحرية ضخمة في بحر «أوخوتسك» وجزيرة «سخالين».
وتماشياً مع الفرص المتاحة، دخلت شركاتٌ هنديةٌ بالفعل إلى هذه المنطقة. فقد شاركت شركة «النفط والغاز الطبيعي الهندية» في مشروع «سخالين-1» للنفط والغاز، في واحدة من أكبر الاستثمارات الهندية في الشرق الأقصى الروسي. كما استكشفت شركة «كول إنديا المحدودة» فرصاً في مشاريع تعدين الفحم في ياكوتيا، في حين أبدت شركة «تاتا باور» اهتماماً بالتعاون في مجالي الفحم والطاقة، بما في ذلك احتمال إقامة مشروعات مشتركة.
وأوضح الزعيمان أنهما يعتبران مجموعةَ العشرين ومجموعة البريكس ومبادرة شنغهاي للتعاون، كلها منصاتٍ رئيسية لإصلاح التعددية، ومؤسسات الحوكمة الاقتصادية الدولية، وبنوك التنمية متعددة الأطراف. وأكدا أن هذا الجهد من شأنه أن يُسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة «بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الاستدامة، وتطوير مرونة سلاسل التوريد الدولية، بما في ذلك المعادن الحيوية، والامتثال لمعايير التجارة الحرة والعادلة، ومواجهة تغير المناخ».
وفي ظل مواجهة كل من الهند وروسيا لضغوط مختلفة على الساحة العالمية، باتت علاقتهما محط تركيز متزايد. فقد أثارت التوترات الأخيرة بين الهند والولايات المتحدة تساؤلات حول ما إذا كان الاقتصاد الجنوب آسيوي قادراً على الاعتماد على واشنطن كما كان في السابق. وفي الوقت نفسه، تسعى روسيا إلى إظهار أنها ليست معزولة، وترى إمكانات كبيرة لتوسيع علاقاتها مع الهند. وقد تجاهلت الهند بوضوح إملاءات الولايات المتحدة التي دعتها إلى وقف شراء النفط الروسي لتفادي الرسوم الجمركية التصعيدية التي فرضتها إدارة ترامب. وعلى العكس من ذلك، جاء البيان المشترك الصادر في ختام الزيارة حازماً في التأكيد على أن الجانبين ينظران إلى «تعاونهما الواسع في قطاع الطاقة باعتباره ركيزة أساسية للشراكة الاستراتيجية الخاصة والمميزة».
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي