بالاشتراك بين جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في أبوظبي ومعهد الدراسات الإسلامية بجامعة السوربون، انعقد بقاعةٍ من قاعات المؤتمرات بالسوربون في باريس مؤتمرٌ يعيد دراسةَ واستكشاف ومراجعة الوضع بين العقديات والعلميات والفلسفيات بعد قرابة مائتي عامٍ وأكثر على الصراع العلمي والثقافي في هذه القضايا التي تهم المتدينين وأهل المعارف التجريبية. بدأ الصراع في أوروبا أواخر العصور الوسطى من جانب العلماء والفلاسفة، ل«إزالة السحر عن العالم» كما قال ماكس فيبر (1864-1920)، بافتراض أنّ الدين كما فهمه الفاتيكان كان يعتمد في سلطته على مَواطن الغموض في العالم والكون.

وهكذا اعتقد العلماء والفلاسفة التنويريون أن التقدم العلمي إنما يكشف عن الأسرار وأبعاد الأساطير التي كان رجال الدين يعتمدون عليها في نشر تصورهم للعالم. لقد توالت الكشوف والاختراعات وتوالت فلسفات العقلنة والتعقيل، فانكمشت هيمنة الدين في عالم الإنسان، وتحررت مجالاتٌ كثيرةٌ في الطبيعيات (الجيولوجيا والفسيولوجيا) وذهنية الإنسان وأبعاده النفسانية.     ثم حدث بعد قرون الصراع تقارُبٌ، حيث انعطف التفكيران الديني والعلمي باتجاه عوالم الاشتراك في الأخلاقيات. فالتفكير الديني غائي ويبحث عن المعنى، والتفكير العلمي تجريبي، وقد بدأ باستكشاف الطبيعة ثم آليات التكنولوجيا التي تعمل فيها وفي عوالم الإنسان. ولكلٍ منهما مناهجه وموضوعاته. لكنّ التلاقح حدث رغم كثرة المفارقات.

فقد انفتح الدينُ على العلوم الإنسانية الجديدة مثل الأبستمولوجيا والفينومينولوجيا. والعلوم الفيزيائية والطبيعية انفتحت من خلال الرياضيات وتجريبيات الحياتين النفسية والاجتماعية. وخلال هذه التحولات التقاربية دونما تقصدٍ أو استهداف، حدثت قفزاتٌ من الفيزيائيين والرياضيين باتجاه العلوم الهجينة بين العلم والروحانيات.

ولمّا كثُر الحديثُ في ستينيات وسبعينات القرن العشرين عن عودة الدين، صار الموضوع الأخلاقي قِبلةَ الجميع. والمشترك الأخلاقي يكون بين الأديان ثم بين العلوم والأديان، ويُفضي كل ذلك إلى الإنسانيات الكبرى من قبيل التسامح والحوار حول مشكلات البيئة والمجاعات والأمراض المستدامة. والآن يحصل التسابق بين تكنولوجيات واتصاليات تسهيل الحياة من جهة، والبحث الكبير في معنى الحياة وغايتها ومصائرها.

    كان المشاركون في مؤتمر السوربون (بين 15 و17 ديسمبر 2025) يزيدون على العشرين دارساً عربياً وفرنسياً، معظمهم مشهورون في حقولهم، لكنهم يلتقون حول هذا الموضوع بالغ الجدية. وفي الحق فإنّ موضوع الافتراق في غالب الأحيان صار بين الدين والفلسفة. كانت الإشكالية الأقدم العلوم في مواجهة الدين. أما اليوم فالهم المشترك بين الدين والفلسفات (الباحثة عن معنى الحياة أيضاً) أمران: الغائية والمعنى.

   درس محاضران أو ثلاثة في المؤتمر موضوعَ المواجهة بين العلوم والدين في القرون الثلاثة. ورغم موضوعات وأحداث الصدام الكثيرة، فإن كتاب «أصل الأنواع»، لداروين، الصادر عام 1859، أثار حركيةً استمرت نصف قرنٍ وأكثر وحفلت بموضوعين: أصل الإنسان والنصوص المقدسة، وما إذا كانت الطبيعة تُطوِّر نفسَها! بعد ذلك جاءت تطورات العلوم الهائلة التي عرضها دارسون على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، ثم تطور البحث لدى دارسين في الملتقى الراقي للتقابل بين الدين والفلسفة والدين والعلوم الإنسانية والمختلطة الأُخرى.

وقد تحدثتُ بالمؤتمر عن علم الكلام الجديد لدى المسلمين، وكيف حاول المفكرون المسلمون التوفيقَ بين العلم والدين.  

  عدة استنتاجات يمكن التوصل إليها من مؤتمر باريس: الاهتمام المشترك بين السوربونيين وعلماء جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بالعلوم وفلسفتها والدين وشمولياته.

وهناك علماء فرنسيون معنيون بالبحوث في الإسلام، وعلماء عرب يدرسون بعمق علوم الحضارة وأعلامها في أوروبا. والأمر الآخر ما قاله الدكتور خليفة الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، في ختام المؤتمر، من أنّ هذا التعاون الأول الناجح، يشير إلى إمكان المتابعة والاشتراك بوتيرةٍ أعلى في العلوم الإنسانية وموضوعاتها ومنهجياتها.

*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية