ما الذي يجعل مجتمعاً ما يستحق البقاء؟ هل هو ما يملكه من قوة اقتصادية وعسكرية ومعرفية وتقنية؟ أم هو تراكم تراثه؟ أم استمرار سلوكياته المتكررة؟ أم أنه فقط وهم جمعي محكوم بقوانين فيزيائية لا تعترف بالمقدس ولا بالماضي؟ للإجابة عن ذلك دعونا نفكك الحقيقة كما هي بالبراهين والإحصاءات والنماذج العلمية الموثقة. الانقسام الثقافي ليس أزمة، بل تحولاً فيزيائياً للسلوك الإنساني وفق دراسة أجريت في جامعة هارفارد في عام 2024، ووفق تلك الدراسة، فإن معدل الاتفاق القيمي داخل المجتمعات الغربية انخفض بنسبة 47% خلال العشرين عاماً الماضية، وهو ما يعادل في الأنظمة البيئية انهياراً وظيفياً في التنوع البيولوجي بنسبة 80%.

فعندما تفكك القيم المرجعية المشتركة تفقد المجتمعات القدرة على إنتاج معنى موحد للحياة، وفي تقرير صادر عن «المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)» لعام 2023 أظهرت البيانات أن 63% من شباب العالم لا يحددون أنفسهم ضمن أي إطار ثقافي تقليدي (ديني، وطني، عشائري)، بل في منصات عابرة للهوية. الثقافة لم تعد وظيفة اجتماعية، بل نظام تشغيل فردياً مرناً وقابلاً للتعديل، ولذلك نحن لا نعيش تعددية ثقافية، بل انقراض الثقافة بوصفها كياناً جمعياً، وليست صدمة أن المجتمعات التقليدية تواجه تسونامي الواقع الافتراضي، حيث إنه في عام 2025 تجاوز عدد مستخدمي الواقع المعزّز والافتراضي عتبة 2.1 مليار مستخدم نشط شهرياً وفقاً لتقرير شركة «Statista»، وهذه الأنظمة لا تكتفي بتوسيع الإدراك، بل تعيد برمجته.

والتجربة الاجتماعية لم تعد تُبنى في البيوت والأحياء والمجالس والأسواق والجامعات. إلخ، بل في بيئات افتراضية مغلقة يتشكل فيها الذوق، واللغة، والقيم، وحتى العاطفة، خارج نطاق السيطرة التقليدية. إن الإنسان الرقمي بحسب ورقة بحثية منشورة في Nature Human Behaviour، قد تطوّر إلى كائن ما بعد ثقافي لا ينتمي لكيان ما جغرافياً أو وراثياً، بل رمزياً ووظيفياً، إذ إنها نهاية المجتمعات بوصفها وحدة تحليل سوسيولوجية، حيث تموت اللغة والهوية وتنهار، ووفق منظمة اليونسكو هناك لغة تنقرض كل أسبوعين، حيث في عام 1900 كان هناك أكثر من 7000 لغة حيّة، وبحلول عام 2100 ستبقى أقل من 3000 لغة وشخصياً أشك أن تكون هناك أكثر من 200 لغة بسبب العالم الافتراضي وتتطور الاندماج بين الآلة والإنسان وانصهار الثقافات الحتمي، وهذا ليس مؤشراً على التنوع، بل على مركزية لغات السيطرة التقنية، ومع موت اللغة تموت الطقوس والسرديات والهويات، وفي دراسة أجراها معهد «Max Planck» في سنة 2023 تبيّن أن الأشخاص الذين يفقدون لغتهم الأم قبل سن العشرين يصبحون غير قادرين على تطوير حس هوية تقليدي بنسبة 78%، ولهذا نحن نعيش الآن «موت الهوية التاريخية»، وولادة هوية غير قابلة للتصنيف: ذات مستنسخة رقمياً، تعيش في ميتافيرس بلا ذاكرة. وبدوره العقل الجمعي يتفكك علمياً، وفي بحث نُشر في مجلة Science في عام 2022 تبيّن أن الشبكات العصبية للدماغ البشري تتأقلم مع أنماط التعرض للمعلومات الرقمية، على نحو يحد من قدرة الدماغ على التفاعل العاطفي العميق مع القضايا المجتمعية بنسبة انخفاض بلغت 62% مقارنةً بعام 1990، وبما أن العقل الجمعي هو العمود الفقري لأي حضارة، وهو لم يعد قادراً على توليد استجابات موحدة لأنه أصبح يتغذى من أنظمة خوارزمية شديدة التخصيص، أصبحنا نحيا في غرف صدى فكري تنكر الواقع المشترك وتعيد تدوير الذات حتى الاختناق، وهنا يبرز سؤال: هل يمكن للمجتمع أن يستمر بعد انقراض الثقافة؟

والسؤال ليس فقط هل ستنهار المجتمعات التقليدية؟ بل ما الذي سيأتي بعدها؟ الحضارة القادمة ليست استمراراً، بل قطيعة إبستمولوجية مع فكرة المجتمع ذاته، ففي عالم يُعاد تشكيله بوساطة الذكاء الاصطناعي، والواقع الممتد، وتفكيك الرموز، لا يبقى للمجتمع التقليدي إلا الذاكرة، والتي بدورها تعاد كتابتها بخوارزميات كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، وبالتالي ما تواجهه المجتمعات ليس تغيّراً ثقافياً، بل انقراضاً ثقافياً.

والمجتمعات كما عرفناها، كانت اختراعات بشرية مؤقتة مصممة لتأمين البقاء في بيئة مادية، أما الآن، فالبقاء ذاته أصبح شبه رقمي ونحن الجيل الأخير الذي يفهم معنى الانتماء الثقافي بالمعنى القديم، وهذا المقال ليس نبوءة، بل تقريراً توضيحياً أمامكم، أما المستقبل، فليس سوى برنامج قيد التحديث. وبالمقابل أين هو دور مراكز التفكير في العالم العربي؟ ولا أتحدث هنا عن مراكز البحوث والدراسات التقليدية، فما يدور اليوم من نقاش حول الهوية والانتماء بعيد كل البعد عن مخرجات البحوث الذكية التي تحلل البيانات الكبرى!

*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.