في 24 نوفمبر الماضي كتبت على هذه الصفحة مقالاً استعرضت فيه بعض المؤشرات التي تدعو لشيء من التفاؤل بشأن خطة ترامب الجديدة للتسوية، وختمت المقال بعبارة «ومع ذلك، ولأن المؤمن لا ينبغي أن يُلْدَغ من جحر مرتين، لننتظر ونرى»، وقد أثبتت التطورات اللاحقة أن الإشكاليات بقيت تراوح مكانها، ورغم أن غياب تفاصيل ما يجري في الغرف المغلقة يجعل الوصول للأسباب الدقيقة لتعثر المفاوضات شبه مستحيل، إلا أنه لا يخفى أن مشكلة التنازلات الإقليمية الأوكرانية هي عقدة المنشار، فمن ناحية كيف يقبل زيلينسكي الذي انتهت مدة رئاسته التنازل عن الأراضي التي سيطرت عليها روسيا.
 ومن ناحية ثانية، فإن تخلي روسيا عن هذه الأراضي يعني خسارتها الحرب، وأن كل التكاليف المادية والبشرية التي تكبدتها ذهبت سدى، خاصة وأن إقليم دونباس الذي تطالب روسيا بالاعتراف بسيطرتها عليه تعيش عليه جماعات روسية، وهو ما قد يخفف من تضارب التسوية المقترحة من ترامب مع مبادئ القانون الدولي، وقد يتمثل الحل في إعادة استفتاء سكان الإقليم تحت إشراف دولي، وهو ما لا أعتقد أن بوتين يقبل به، لأن معناه التشكيك من حيث المبدأ في تبعية الإقليم لروسيا، وفي نزاهة الاستفتاء الذي أُجْري، ويزيد من صعوبة هذه المعضلة أن مواقف الدول الأوروبية عدا المجر تؤيد وجهة النظر الأوكرانية، وإن كان الخطاب السياسي لقادتها لا ينطوي حتى الآن على أي تحدٍ لخطة ترامب، ولا يُنتظر تغير هذا الوضع، وإلا حدثت تداعيات خطيرة تزيد من الأزمة الراهنة في التحالف الغربي.
والمشكلة أن الآليات المطروحة لإرضاء أوكرانيا كي تقبل بالتنازلات الإقليمية تنطوي بدورها على عقبات، فالضمانات الأمنية التي ستُقَدَّم لها بعد استبعاد فكرة انضمامها لحلف الأطلسي ستكون موضع اعتراض روسيا إن وصلت لمستوى تموضع قوات أوروبية في أوكرانيا على سبيل المثال، وهو موقف منطقي من المنظور الروسي، فما معنى استبعاد أوكرانيا من عضوية الحلف بينما توجد قوات من أعضائه على الأرض الأوكرانية.
 وليت الصعوبات تقف عند هذا الحد، فالحديث عن تعويضات تُقدم لأوكرانيا تُمَوَّل من الأصول الروسية في أوروبا مرفوض روسياً، لأن معناه الوحيد أن روسيا تعترف بإدانتها.
وعلى الرغم من قدرة الدبلوماسية على إيجاد حلول توافقية لأعقد المشكلات، وعلى الرغم كذلك من ثِقَل الرئيس الأميركي خلف جهود التسوية، وهما عاملان يفتحان الباب للأمل في نجاح هذه الجهود، فإن احتمال الفشل يبقى وارداً، ولو تحقق هذا الاحتمال فقد تكون له تداعيات خطيرة، لأن ترامب سيصب جام غضبه على من يعتقد أنه السبب، ولو كان تقديره أن أوكرانيا ومن خلفها الاتحاد الأوربي هما الطرف المسؤول عن الفشل سوف يفضي ذلك لمزيد من تشقق التحالف الغربي، خاصة وقد وضح من وثيقة ترامب الأخيرة للأمن القومي أن أوروبا باتت في المرتبة الثالثة بين أولويات سياسته الخارجية، أما لو اعتبر أن روسيا هي المسؤولة، وهو الاحتمال الأقل، لأنني أعتقد أن بوتين سيحاول تفاديه ما استطاع، لأن صيغة ترامب للتسوية تحقق له مطالبه الأساسية، فسوف يكون من الصعب التنبؤ بدرجة غضبه من روسيا وطبيعة هذا الغضب، لأن علاقته بها كانت دائماً مثاراً لعلامات استفهام كثيرة.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.