تُعدّ المواطَنة واحدة من أكثر المفاهيم الفلسفية ثراءً وتعدداً في التأويل، وتمتد جذورها إلى قلب الفلسفة منذ زمن اليونان حتى الفلسفات المعاصرة. وإذا كانت الفلسفة تبحث في «شروط إمكان» الظواهر، فإن المواطنة تمثل شرط إمكان الاجتماع البشري، وأساس تَشكُّل الدولة الوطنية، وفضاء تحقيق الاستقرار والازدهار. لهذا لا يمكن النظر إلى المواطنة بوصفها مجرد رابطة قانونية، ولا بوصفها هوية يكتسبها الفرد، بل باعتبارها صورة من صور انغراس الإنسان في وطن يمنحه المعنى، ويحفظ له وجوده، ويفتح أمامه أفق المشاركة والمسؤولية. منذ اللحظة اليونانية كان للمواطَنة بعدٌ أخلاقي عميق. فقد رأى أرسطو أن الإنسان كائن لا يكتمل وجوده إلّا في محيط محدد، وأن الفضيلة ليست ممارسة فردية منعزلة، بل ثمرة مشاركة في فضاءٍ عام.
ومن هنا تصبح المواطَنة - عند أرسطو - صورة من صور «الخير الأسمى»، لأنها تتيح للفرد ممارسة فضيلته عبر الانخراط، والمشاركة، والالتزام بالنظام العام الذي يضمن الاستقرار والازدهار. أما أفلاطون، فاعتبر أن المدينة الفاضلة تقوم على توزيع للأدوار، وأن ولاء الفرد لمدينته الفاضلة شرط في انسجامها الداخلي. هذا الارتباط الفلسفي بين «الفضيلة» و«الانتماء» وضع أساساً لنظريات المواطَنة في الفكر الإنساني المتطور.
ومع تطور الدولة الحديثة، انتقل مفهوم المواطَنة من الفضاء الأخلاقي إلى الفضاء القانوني والسياسي. فقد جاء جون لوك ليؤكد أن الرابط الذي يجمع الفرد بالدولة هو رابطة «العقد الاجتماعي» في علاقة تبادلية قائمة على الانتماء والمسؤولية. بينما رأى روسو أن المواطنة لا تقوم على التعاقد فحسب، بل على «الإرادة العامة» التي تعبّر عن المصلحة العليا. وهذه الإرادة هي رؤية مشتركة للخير العام، مما يجعل المواطنة حالة من المشاركة الوجدانية لخيرٍ جماعي. وفي تفكير هيغل، بلغ مفهوم المواطَنة ذروته الفلسفية، إذ اعتبر أن الدولة هي «تجلّي العقل» في التاريخ، وأن المواطَنة هي أعلى مراحل انتماء الإنسان لأنها تحقق له غايته في الوجود الإنساني. وهنا تصبح الدولة الوطنية في منظور هيغل روحاً موضوعية، تُعطي الأفراد معنى انتمائهم، وتعكس إرادتهم المشتركة في الوجود، ورأى أنَّ احترام الوطن هو احترام للعقل نفسه، والولاء له هو ولاء لقيم النظام والعدالة التي تقيمها الدولة.
ومن هذا الإرث الفلسفي، يتضح أن المواطَنة ليست وثيقة رسمية، بل هي رابطة عضوية تُلزم الفرد تجاه وطنه - أخلاقياً قبل أن تكون قانونياً. فالمواطَنة الحقيقية لا تتحقق في فضاء منفصل عن الدولة الوطنية، كما قد تذهب بعض الأطروحات المعاصرة، ذلك أن الإنسان لا يعيش في فراغ، بل في إطار تشريعي وسياسي ومجتمعي وثقافي، تشكّله الدولة الوطنية التي تمنحه الأمن، والهوية، والمقومات الأساسية للحياة. فالانتماء للوطن هو انتماء لأفق يحمِل ذاكرة الإنسان، وقيمه، ورمزيته، وحقه في التقدم والازدهار. ولعل أعمق ما يميز المواطَنة في سياق الدولة الوطنية الحديثة هو أنها تحدد العلاقة بين الإنسان والهوية الوطنية. فالهوية ليست بناءً ثقافياً فقط، بل هي تعبير عن ارتباط الفرد بكيان جامع يتجاوز الانتماءات الجزئية. لذلك فإن المواطَنة تتطلب نوعاً من «الولاء الوجودي» للدولة، إذ لا يمكن بناء مجتمع مستقر دون شعور جمعي بالانتماء، ولا يمكن تأسيس دولة قوية دون مواطنين يرون في نجاح الدولة انعكاساً لنجاحهم الشخصي.
وهذا المعنى أشار إليه ابن خلدون في مقدمته حين قال إن «العصبية» - بمعناها الإيجابي - شرط في قيام الدول واستمرارها. ولأن المواطَنة هي صورة معاصرة للعصبية الخلدونية، فهي تقوم على رابطة الانتماء الوطني التي تجمع الناس حول دولتهم. وبينما يروِّج البعض لفكرة تهميش الدولة الوطنية لصالح هويات ما فوق أو ما دون الدولة، تكشف التجربة التاريخية أن الدولة الوطنية - الحاضنة للتنوع والتعدد - هي الإطار الأكثر ملاءمة لحفظ كرامة الإنسان وتحقيق استقراره. هنا بالضبط تتجلى المواطَنة بوصفها أعلى درجات التنظيم الإنساني: إنها عقد أخلاقي بين الفرد والجماعة، يقوم على الولاء، والوفاء، والمصلحة العامة.
فالمواطن الواعي يعرف أن استقرار الدولة ليس امتيازاً بل مسؤولية مشتركة، وأن قوة الوطن قوة له، وضعفه ضعف له. وقد عبّر جمهور الفلاسفة عن هذا المعنى بطرق شتى، لكنهم اجتمعوا على حقيقة واحدة: لا وجود للفرد صاحب الكرامة دون دولة قوية، ولا وجود لدولة قوية دون مواطنين في مجتمع يتبادل مع الدولة الوفاء والثقة.
*كاتب إماراتي