يقدِّم كتاب الدكتور حمد الكعبي «خطابُنا الإماراتي: مداه السياسي ومعناه الإنساني» لحظةً معرفيةً نادرةً في فضاء الفكر السياسي العربي، لحظةً تجمع بين صرامة الأطروحة الأكاديمية وجرأة البيان السّياسي الذي يكشف جوهر الدبلوماسية الإماراتية الحديثة.
فالكتاب لم يُكتب ليُزيِّن رفوفَ المكتبات، بل ليفتحَ نافذةً على العقل الذي يصوغ الخطاب الرسمي، وعلى المنهج الذي تتشكّل به صورة الدولة في الداخل والخارج. هذا العمل ينهضُ من أساسٍ علميٍّ متين، فهو امتدادٌ مباشرٌ لأطروحة دكتوراه أنجزها المؤلف في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، قائمة على اللسانيات التداولية ونظريات الحجاج.
ومنذ الصفحات الأولى، يتأكد للقارئ أننا أمام بحثٍ لا يقرأ الخطاب بوصفه نصاً جامداً، بل بوصفه بنيةً سياسيةً تدير العلاقات، وتضبط المعاني، وتصنع المشروعية. فالكتاب يعامل اللغةَ كأداة حكم لا كوسيلة تواصل، وكرافعة استراتيجية لا كوعاء للتعبير. تتبدّى قيمة الكتاب في قدرته على تفكيك ما قد يبدو بديهيّاً: كيف تحوّلت الإمارات إلى دولة تمتلك خطاباً ذا مصداقية عالية ووقعٍ مؤثر في المحافل الدولية؟ وكيف استطاعت الحفاظ على اتساق رسائلها رغم الاضطرابات الإقليمية المتلاحقة؟ الجواب الذي يقدّمه الكعبي بسيطٌ في شكله، عميقٌ في جوهره: لأن الإمارات لم تتعامل مع الخطاب بوصفه ردّ فعل سياسياً، بل بوصفه مكوّناً من مكونات بناء الدولة منذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه. لقد صِيغت الكلمة في الإمارات على نحو يجعلها امتداداً للقيمة، وترجمةً لأخلاق القيادة، وأداةً لصناعة الطمأنينة، لا إثارة التوتر.
الكتاب يكشف عن خطاب تتجاور فيه القوة الناعمة مع القوة الأخلاقية، وتلتقي فيه الواقعية السياسية مع المبادئ الإنسانية. ليس خطاب تهدئة فحسب، بل خطاب مبادرة، قادر على استباق الأزمات وفتح المسارات، وعلى الجمع بين الحزم حين تتطلّبه المصلحة الوطنية، والمرونة حين تقتضيها الدبلوماسية. وفي صفحاته تحليلٌ دقيقٌ لكيفية إدارة الإمارات للتوازن الرفيع بين هذه العناصر، بما جعلها دولة تصنع الثقة بقدر ما تصنع التحالفات. وما يميّز قراءة الكعبي هو أنه يُزيل القشرة السطحية عن الخطاب ويكشف بنيته العميقة: الدعوى السياسية، المقدمات التبريرية، مؤشرات الحال، التحفظّات، الروابط الحجاجية، كلها عناصر لا تتجاور اعتباطاً، بل تتكامل في نسق واحد يشتغل بهدوء وتماسك.
وهنا تظهر الإمارات بوصفها دولة لا تتحدث فقط، وإنما تفكر في كيفية الحديث، وتعي أن الكلمة قد تكون في العلاقات الدولية أبلغ من القوة نفسها. بهذا المعنى، لا يُصبح الكتاب مجرد دراسة تحليلية، بل يتحول إلى ما يشبه «مانيفستو» الدبلوماسية الإماراتية في خمسينيّتها الأولى، مؤسِّساً لفهم جديد للقول السياسي في المنطقة. فهو يشرح لماذا نجحت الإمارات في بناء صورة دولة مسؤولة ومتزنة، وكيف استطاعت تحويل قيمها الوطنية إلى لغة مشتركة يفهمها العالم. كما يضع بين يدي القارئ نموذجاً عربياً ناضجاً في كيفية توظيف اللغة لصياغة الشرعية وتوسيع الشراكات وتهدئة الفضاء الدولي. إنّ قيمة هذا العمل أنه يردّ الاعتبار إلى الخطاب السّياسي بوصفه علماً، وإلى اللغة بوصفها أحد أعمدة بناء الدولة. ومن خلاله يتّضح أن الدبلوماسية الإماراتية ليست مصادفةً في الزمن، ولا نتيجةَ ظرف دولي، بل ثمرة مدرسة فكرية متواصلة، بدأت مع إرث زايد واستمرت بتطور المؤسسات وقدرتها على تحويل المعنى إلى مشروع، والكلمة إلى سياسة، والخطاب إلى صورة دولة موثوقة. هذا كتابٌ لا يكتفي بأن يصف الإمارات، بل يشرح كيف تفكر الإمارات، ولماذا تنجح الإمارات. وهو دعوةٌ صريحةٌ لإعادة التفكير في دور الخطاب السياسي عربياً، وإلى مزيد من الوعي بأن الدولة الحديثة تُبنَى كما تُدار: بالكلمة التي تعرف ماذا تقول، ولماذا تقول، ولمن تقول.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.