يروي كتاب عنوانه «التفاف الثعبان»، صدر في عام 2022 ونشرته جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة، قصةَ صراع نشب في القرن الثامن عشر بين أمير إيطالي، وسبعة من الكرادلة. وكانت مدينة نابولي في جنوب إيطاليا مسرحاً لهذا الصراع. لا يذكر المؤلفُ أسماء الكرادلة، ولكنه يقول إن اسم الأمير كان «ريموندو دي ساندرو». 
في الرواية التاريخية أن دي ساندرو، ومن أجل حسم الصراع، لم يكتفِ بقتل الكرادلة السبعة، ولكنه - كما يروي المؤلف - عمل على تحويل عظامهم وجلودهم إلى «كراسي»، وقد صنع سبعاً منها. وهذا علماً بأن الكردينالية هي أعلى رتبة دينية في الكنيسة الكاثوليكية، وأن الكرادلة هم أعضاء المجلس الانتخابي للبابا.
كان ساندرو رجلاً استثنائياً. كان كيميائياً ومخترعاً وصانعاً للألعاب النارية. وكان يجيد ثماني لغات بينها العربية، ثم إنه كان يدّعي القدرةَ على إعادة ترميم جثث الموتى بعد تحلّلها. ومن أجل ذلك أقام في الكنيسة العائلية التي شيّدها مختبراً لـ«المحافظة» على جثامين أفراد عائلته لإعادة ترميمها من جديد! وتحمل الكنيسة اسم «سانسيفورو»، ولا تزال قائمة حتى اليوم، لكن لا توجد بها أي جثة محنّطة.
 ولعل مدينة نابولي هي أكثر مدن أوروبا التي يتداخل فيها الحيّ والميّت، والإيمان والوثنية، حيث يشكل الماضي السحيق جزءاً من الحاضر.. فهناك كنيسة القديس «بياترو آرام» التي بُنيت في النصف الثاني من القرن السابع عشر على أنقاض أقدم كنيسة قائمة في الموقع ذاته منذ عام 870. وهذه الكنيسة ذاتها تقوم على أنقاض معبد يوناني. وعبْر هذه الكنائس والمعابد المتداخلة، وصل المؤلف في حفرياته إلى ضريح رئيس أساقفة مدينة نابولي، وهو القديس «أسبيرين»، الذي اشتهر بقدرته على معالجة أوجاع الرأس، ولذا تبنّت الشركة الألمانية الصانعة لحبوب معالجة هذه الأوجاع اسمه وأطلقته على العلاج الذي تصنعه من أوراق شجر الكينا. وكانت فكرة استخراج هذا العلاج قد انتقلت من الأندلس إلى إيطاليا، وتحديداً صقلية التي استوطن فيها كثير من علماء الأندلس بعد سقوط دولتهم. وهم بدورهم أخذوا هذا العِلم عن اليونانية.
يخصّص المؤلفُ الفصل الأول من الكتاب للحديث عن تاريخ كتاب صدر في نابولي في عام 1756 يتحدّث عن تاريخ «المحبرة الملكية» التي كانت تُستخدم لكتابة الرسائل الموجهة إلى الملوك والأمراء والقادة. وبعد كتابة 738 صفحةً يتبيّن أن المحبرة كانت مجرد علبة ملكية للمجوهرات! ولا تزال هذه العلبة محفوظة حتى اليوم في المتحف الوطني في نابولي. أما الملوك والرؤساء والقادة الذين تناولتهم الرسائل فقد أصبحوا نسياً منسياً.
لم تكن نابولي دائماً جزءاً من إيطاليا. كانت إحدى الممالك الإيطالية المستقلة. وكانت مقراً للعديد من الباباوات أيضاً. كما كانت مسرحاً لحروب مع فرنسا (التي احتلتها طويلاً)، ولذا فإن وراءها تاريخاً طويلاً، دينياً كمركز للبابوية، وسياسياً كمسرح للصراع الفرنسي الإيطالي، وعلمياً كأحد ورثة الحضارة الأندلسية، إما مباشرةً أو عبر «مملكة» صقلية.
 وفي كتابه «التفاف الثعبان»، يقول المؤلف «ماريوس كوسيجوسكي» إن من جملة اختراعات ساندرو قبّعة لا تخترقها مياه المطر سبقت اختراع المظلة، إلا أن سرّ صناعة تلك القبعة لم يعد معروفاً اليوم. كل ما هو معروف أن ساندرو مات متاثراً بنوبة برد!


*كاتب لبناني