في عالم تتفاقم فيه التحديات البيئية، صار التحول إلى السيارات الكهربائية عنواناً رئيسياً لمساعي تقليل الانبعاثات الكربونية، ومنع التلوث المناخي الناتج من عوادم ملايين السيارات حول العالم. وفي ظل هذا التوجه الأخضر، يتزايد الطلب على السيارات الكهربائية في العديد من أسواق العالم، وحفلت الطرق بالملايين منها، حتى باتت تُزاحم السيارات التقليدية شيئاً فشيئاً
.وبالنظر إلى مستقبل التنقّل الأخضر، أصبحت صناعة السيارات الكهربائية قادرة على المنافسة أمام السيارات العاملة بالوقود الأحفوري؛ كونها وسيلة نقل تحافظ على البيئة، وتُقدّم حلولاً تكنولوجية لا يمكن للنقل أن يتطور من دونها. فقد حفّز تراجع تكاليف الإنتاج وتطور تكنولوجيا البطاريات من انتشار هذه السيارات، ما أعاد ذلك تشكيل مفهوم التنقّل في العالم، وخلَق اتجاهاً واضحاً بين الدول لمنح حوافز تفضيلية لاقتناء السيارات الكهربائية، وتوطين هذا النوع من المركبات الصديقة للبيئة.
إن التأمل في إحصاءات صناعة السيارات الكهربائية يرسم صورة مشرقة عن مستقبل السيارات الكهربائية، ففي عام 2025، وصل إجمالي المركبات الكهربائية، التي تسير على الطرق، إلى نحو 85 مليون مركبة بعد أن كانت لا تزيد على 40 مليون مركبة في عام 2023، وتناهز 58 مليوناً في عام 2024. وتعني هذه الأرقام بوضوح أن القبول العالمي لهذه السيارات يتسارع للدرجة التي تجعل تقديرات تشير إلى أن تصبح هذه السيارات في عام 2026 نحو ربع السيارات في العالم، وصولاً إلى 83% عام 2040.
وفي هذا المشهد العالمي المتسارع، تقف الصين حاليّاً في وضع المهيمن على صناعة السيارات الكهربائية، إذ تقود شركاتها الكبرى الصناعة في العالم، وتقدِّم علامات تجارية قادرة على المنافسة السعرية والمنافسة من حيث الجودة. لقد أدت هذه التنافسية إلى استحواذ صارت الصين على نحو ثلثَي المبيعات العالمية من السيارات الكهربائية. ولكن الهيمنة الصينية تواجهها منافسة دولية واسعة؛ فالولايات المتحدة بشركاتها الرائدة، والدول الأوروبية بصناعاتها المتطورة، تسعى لدعم قدراتها الإنتاجية، وزيادة حصتها من سوق السيارات الكهربائية.
وإزاء سوق عالمي تهيمن فيه الصين على صناعة السيارات الكهربائية وبطارياتها؛ وبصرف النظر عمّا في هذه الهيمنة من مخاطر تنافسية على الصناعات الوطنية؛ فإن القدرات الإنتاجية التي تتمتع بها الصين أسهمت في انتشار السيارات الكهربائية وجعلتها تباع بأسعار تنافسية في الأسواق العالمية؛ ما جعل أسعارها في متناول اليد لمستويات الدخل المتوسط، خصوصاً في أسواق الدول النامية. وبالتأمل في واقع التنقّل الأخضر في أسواق بلدان الشرق الأوسط، الذي تصل قيمته حاليّاً إلى نحو 7.4 مليار دولار بنهاية عام 2025، فإن هناك محاولات واعدة لدعم عدد من الدول، ولاسيما دول الخليج العربية، لقدرات أسواقها المحلية، مستفيدةً من الطلب المتزايد على وسائل النقل المستدامة، وداعمة لنمو هذا السوق بالحوافز والتيسيرات التنظيمية.
وعلى الرغم من وجود بعض التحديات التي تعيق توطين صناعة السيارات الكهربائية في منطقة الشرق الأوسط والدول النامية عموماً، بما في ذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الإمكانيات التكنولوجية وفجوات الخبرات الفنية، فإن تبنّي استراتيجيات وطنية لتحفيز هذه الصناعة، مع تعزيز القدرات المحلية في سلسلة التوريد الدولية لصناعات البطاريات وقِطع الغيار، سيكون هو الوسيلة الأساسية لتدخُل هذه الدول مستقبل التنقّل الأخضر بصورة صحيحة ومستدامة.
*باحث رئيسي/ مدير إدارة الدراسات الاقتصادية- مركز تريندز للبحوث والاستشارات.