قبل عقدين من الزمن كان الذكاء الاصطناعي حبيس مختبرات البحوث، فكرة طموحة تدور حول جعل الآلة تُنفّذ ما نخبرها به بدقة أعلى وكفاءة أكبر. ولم يتوقع أحد أن يأتي يوم تملك فيه هذه الآلة القدرة على تجاوز حدود مهماتها التقليدية لتولد أفكاراً وحلولاً غير مسبوقة تفتح مجالات جديدة كاملة. واليوم لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة، بل أصبح شريكاً في صياغة قراراتنا، ومنافساً في ميدان الإبداع، ومُسرِّعاً للتقدم في كل مجال، من الطب إلى الفضاء. ونحن أمام نموذج ذهني متطور يراكم المعرفة باستمرار، ويعالج البيانات بسرعة تتجاوز الحدود الطبيعية لقدرة الإنسان. إنها لحظة تشبه وقوف البشرية على عتبات اكتشاف النار أو الكهرباء، لكنها هذه المرة ليست قوة مادية… بل شرارة فكرية قد تعيد تشكيل ملامح الحضارة كلها.
والذكاء الاصطناعي اليوم لا ينفّذ الأوامر فقط، بل يفهم الهدف من ورائها أيضاً، فإذا طلبت منه تصميم جسر، فلن يكتفي برسم مخطط هندسي تقليدي، بل سيقترح تصاميم جديدة تحقق المتانة وتقلل التكاليف وتستغل المساحة بأفضل شكل، لأنه قادر على تحليل ملايين الأمثلة والسيناريوهات في وقت قياسي. وإذا طلبت منه تحليل بيانات الطقس، فلن يكتفي بعرض الأرقام، بل قد يربط بينها وبين أنماط الزراعة أو النقل أو حتى التأثيرات الاقتصادية، ليعطيك رؤية شاملة لم تكن في الحسبان.
وتكمن القوة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في قدرته على البحث عن الروابط الخفية بين المعلومات. وقد نتجاهل نحن البشر تفاصيل صغيرة لأنها تبدو غير مهمة، لكن الأنظمة الذكية تلتقطها وتعيد دمجها مع غيرها لتكشف أنماطاً جديدة. وهذه القدرة تمنح الذكاء الاصطناعي مزية تحليلية متفوقة، إذ يمكنه الوصول إلى استنتاجات مركبة ومعقدة عبر معالجة كمية هائلة من البيانات في زمن قياسي، وفتح مسارات للتفكير والحلول لم تكن واضحة أو ممكنة من قبل.
والمثير في الأمر أن الإبداع هنا لا يقتصر على تقليد ما أنجزه البشر، بل يمتد أيضاً إلى ابتكار مسارات جديدة لم تكن مطروحة من قبل، ففي مجال الطب لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي بمساعدة الأطباء على تحليل صور الأشعة أو تسريع الإجراءات، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد طوّر تراكيب دوائية غير مسبوقة، بعد تحليله ملايين التركيبات الكيميائية السابقة وربطها ببيانات وراثية وبيولوجية معقدة، ليقترح مركبات واعدة لعلاج أمراض مستعصية، مثل بعض أنواع السرطان النادرة. وهذا النوع من الابتكار كان يتطلب سابقاً عشرات السنين من البحث، لكنه أصبح ممكناً في شهور بفضل هذه القدرات.
وفي الزراعة لم تعد أنظمة الذكاء الاصطناعي تكتفي بمراقبة المحاصيل عبر صور الأقمار الصناعية، بل أصبحت تدمج بين بيانات الاستشعار عن بُعد، ومستشعرات التربة، والتوقعات المناخية، لا لتحدد حالة المحصول الحالية فقط، بل لتتنبأ أيضاً بأي خطر يهدده قبل أسابيع من حدوثه، سواء كان مرضاً فطريّاً أو موجة جفاف أو فيضانات موسمية. وبعض هذه النظم يقترح تلقائيّاً أفضل نوع من البذور أو الأسمدة المناسبة للتربة والمناخ، ويوصي بالمزيج الأمثل لتحقيق أعلى إنتاجية بأقل استهلاك للمياه.
وفي النقل لم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تطوير السيارات ذاتية القيادة، بل امتد إلى إدارة شبكات النقل كلها، ففي بعض المدن تُستخدم أنظمة ذكية تراقب حركة المرور في الزمن الحقيقي عبر آلاف الكاميرات والحساسات، ثم تتنبأ بنقاط الازدحام قبل حدوثها، وتعيد برمجة الإشارات الضوئية وتوجيه المركبات ديناميكيّاً لتقليل أوقات الانتظار بنسبة تجاوزت 30 في المئة. وثمة شركات طيران بدأت تستخدم خوارزميات ذكاء اصطناعي لتخطيط مسارات الرحلات الجوية وفق الظروف الجوية الفعلية، وهو ما يقلل استهلاك الوقود ويوفر ملايين الدولارات سنوياً.
وأما في البيئة، فقد أحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً في إدارة الموارد الطبيعية وحماية النظم البيئية، فعلى سبيل المثال، هناك أنظمة متقدمة قادرة على تحليل بيانات الاستشعار الحراري والرطوبة من الأقمار الصناعية لتوقع أماكن نقص المياه الجوفية قبل حدوث الأزمات، وهو ما يمنح الحكومات فرصة لتخطيط عمليات الإمداد أو التحلية باكراً. كما طُوّرت نماذج قادرة على التنبؤ بموعد ذوبان الجليد في المناطق القطبية، وتأثير ذلك في ارتفاع منسوب البحار، الأمر الذي يساعد على وضع خطط طويلة المدى لحماية المدن الساحلية من الغرق.
وفي الفضاء لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد للعلماء في تحليل البيانات فقط، بل أصبح شريكاً في الاكتشاف أيضاً، فقد استُخدم في فحص أرشيف ضخم من بيانات التلسكوبات، ليكتشف أنماطاً ضوئية تشير إلى وجود كواكب جديدة لم يتم التعرف إليها سابقاً، بعضها قد يكون صالحاً للحياة. كما وظّفته وكالات الفضاء في التخطيط لمسارات المركبات الفضائية، بحيث تستغل جاذبية الكواكب في تسريع رحلاتها، وهو ما يقلل كثيراً من تكلفة الوقود، ويجعل الرحلات البعيدة أكثر قابلية للتنفيذ.
د. سعيد المنصوري*
مدير إدارة الاستشعار عن بُعد في مركز محمد بن راشد للفضاء.