إلى أي مدى ستدوم هيمنة الدولار؟ وما مدى أهمية فقدان هذه العُملة لعرشها؟ حتى وقت قريب، كان من الممكن تجاهل هذه الأسئلة باعتبارها مجرد فضول نظري، لكن الاقتصاد العالمي ظل قائماً حول الدولار لعقود، وعلى عكس العديد من التوقعات الفاشلة، فإن هذا الوضع لن يتغير.
غير أن الهجوم الشامل الذي يشنّه الرئيس دونالد ترامب على الأعراف الراسخة في العلاقات الدولية جعل الأمور تبدو في ضوء مختلف. وأحياناً، يَحدث ما كان يُعدّ غير قابل للتصديق.
يدور الجدل حول هيمنة الدولار بين الفوائد والتكاليف وعامل الرسوخ. فمكانة هذه العملة تمنح الولايات المتحدة قدراً من السيطرة على الأنظمة المالية العالمية. وهذه السيطرة تمنح نفوذاً، وكثيراً ما جرى استخدام هذا النفوذ في صورة عقوبات مالية. كما تتيح لمقترضي الدولار (ولا سيما الحكومة الأميركية المُثقلة بالديون) الحصولَ على التمويل بشروط أفضل مما كان سيحدث من دون هذه السيطرة. وفي المقابل، فإن الطلب المرتفع على الأصول الدولارية يعني عملةً مبالغاً في قيمتها، وما يرافق ذلك من ضغط على قطاع التصنيع الأميركي.
يتفق معظم الاقتصاديين على أن هذا التوازن بين التكاليف والفوائد يصبُّ في مصلحة الدولار المُهيمن. لكن البيت الأبيض يعتقد أن الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على الفوائد مع التخلص من التكاليف. وقد شرح «ستيفن ميران»، مستشار البيت الأبيض الذي يشغل حالياً منصبّ صانع سياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، هذا التفكير. وتتلخص الفكرة في استخدام الحواجز التجارية لتعزيز الصناعة الأميركية، والتدخلات المالية للحفاظ على تنافسية الدولار، والأدوات غير الاقتصادية (بما في ذلك التهديد بفك التحالفات) للدفاع عن مكانة الدولار في البنية التحتية المالية العالمية.
إنّ فكرة كون الحواجز التجارية ستعزّز الاقتصاد محلّ شك. لكن لنفرض – جدلاً – أن تفتيت التجارة العالمية بفعل الرسوم الجمركية يمكنه بالفعل إحياء وظائف التصنيع الأميركي وتعزيز الاقتصاد. فهل يمكن التوفيق بين هذه السياسة المتعمدة لتجزئة التجارة وبين الدفاع عن هيمنة الدولار، كما تقترح الإدارة؟
يكمن الجواب في أسباب هذه الهيمنة، وهو ما يقودنا إلى الجمود. يبدو النظام الحالي راسخاً للغاية. لكن لماذا؟ وما الذي قد يلزم لزعزعة الوضع الراهن؟
يتناول كتابان صدرا العام المنصرم تاريخَ هيمنة الدولار: أحدهما «دولارنا، مشكلتك» لمؤلفه كينيث روجوف (من جامعة هارفارد)، والآخر «ملك الدولار» لمؤلفه بول بلوستين وهو صحفي أمضى سنواتٍ طويلةً في تغطية الشؤون المالية العالمية. هذان الكتابان يكملان بعضهما البعض بشكل ممتاز. إذ يمزج روجوف بين التحليل الاقتصادي والمذكرات الشخصية. أما بلوستين، كعادته، فيقدم سرداً دقيقاً وسهل القراءة. وعندما يتعلق الأمر بتوقع ما سيحدث لاحقاً، فإنهما ينتهيان في اتجاهين مختلفين قليلاً.
ومع بداية العام، كان بلوستين يميل إلى الاعتقاد بأن هيمنة الدولار راسخة. وقد كتب: «سواءً أكنتَ موافِقاً على هيمنة الدولار أم لا، فإنه يجب تبديد الشكوك حول استمراريتها.. فمكانتها شبه منيعة، وستبقى كذلك ما لم ترتكب الحكومة الأميركية أخطاءً كارثية». لكن روجوف كان أقل تفاؤلاً، حتى قبل أن تُفعّل الإدارة الجديدة نظريتها المتجاوزة للأعراف بشان هيمنة الدولار.
لقد أثبت الدولار، وكذلك الجنيه الإسترليني في وقته، أنه بمجرد ترسيخ معيار عملة عالمي، فإنه يميل إلى الثبات. تفوّقت الولايات المتحدة على المملكة المتحدة لتصبح أكبر اقتصاد في العالم في أواخر القرن التاسع عشر، ولم يحلّ الدولار محل الجنيه الإسترليني بشكل نهائي كعملة احتياط عالمية إلا بعد عام 1945. في الوقت نفسه، إذا ما تم الضغط على نظام ما بشدة، فسينهار. لا شيء يدوم إلى الأبد.
لفترة من الزمن، يمكن لهيمنة الدولار أن تستمر حتى لو تراجعت هيمنة الولايات المتحدة في جوانب أخرى، كقوة اقتصادية أو عسكرية. ويرجع ذلك إلى أن العملة المهيمنة مريحة. فهي تسهّل المعاملات. وإذا أدارت الولايات المتحدة اقتصادها بكفاءة، بترك أسواق رأس المال تعمل، مع تجنّب التضخم المرتفع وعدم الاستقرار المالي، فإن الجميع يستفيد.ولا تقتصر هذه المزايا على ترسيخ المعيار فحسب، بل إنها تعزّز نفسها بنفسها. فإذا اشترى التجار الدوليون سلعاً أو باعوا سلعاً مُفوترة بالدولار، فمن المرجّح أن يحتفظوا بأرصدة مالية مقومة بالدولار. ويؤدي ارتفاع الطلب على الأصول الدولارية إلى رفع أسعارها، وبالتالي خفض معدل الفائدة على القروض الدولارية. ولكن إذا كان الاقتراض بالدولار أرخص، فسيفضل التجار أيضاً إصدار فواتيرهم بالدولار. ومن ثم، فإن العلاقة بين إصدار الفواتير وتدفقات التمويل تسير في كلا الاتجاهين: فزيادة إصدار الفواتير بالدولار تعني انخفاض تكلفة الاقتراض بالدولار، وانخفاض تكلفة الاقتراض بالدولار تعني زيادةَ إصدار الفواتير بالدولار.
كما تُدافع الولايات المتخذة عن هيمنة الدولار بوسائل أخرى، كما يشرح المؤلفان، أهمها غياب البدائل المعقولة. فاليورو تعرقله وتيرة النمو البطيئة في الاتحاد الأوروبي، والاختلال السياسي، والإخفاق في إنشاء اتحاد مصرفي وأسواق رأسمال موحدة. أما الرنمينبي، فرغم الإصلاحات، فيقيده تحكم الدولة والقصور المؤسسي. ومع ذلك، وفي ظل تنامي السخط على القيادة الاقتصادية الأميركية، يبدو تجدّد المنافسة على هيمنة العُملة أمراً ممكناً.
تدرك الإدارة هذا الخطر، وقد تحركت لدرئه، على سبيل المثال، عبر التهديد بالانتقام من دول مجموعة «بريكس» إذا مضت قُدماً في خطط (لم تتبلور بعد) للتخلص من الدولار. لكن هذه الخطوات قد لا تكون كافية.
التهديد الكبير الآخر لمكانة الدولار، هو التصور بأن الأصول المقومة بالدولار لم تَعُدْ آمنة. ويولي روجوف، الناقد الشديد للإفراط المالي، أهميةً كبيرة لهذه النقطة. فقد أصبحت الولايات المتحدة – برأيه – مدمنة على الاقتراض المفرط، مدفوعةً جزئياً بالاعتقاد، بعد الأزمة المالية العالمية 2008-2009 بأن أسعار الفائدة المتدنية للغاية هي الوضع الطبيعي الجديد. ولا يناقش السياسيون الأميركيون حتى سُبل كبح عجز مالي تاريخي الضخامة، رغم اقتراب الاقتصاد من التوظيف الكامل. كما أن احتمال الديون غير القابلة للاستدامة يرفع مخاطر اللجوء إلى تضخم أعلى كوسيلة للتخلف الضمني عن السداد، وهي استراتيجية قد يُطلب من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إذا فقد استقلاله، تنفيذها.
لا شيء من هذا يعزّز الثقة في هيمنة الدولار. وحتى لو لم تظهر عُملة منافسة قابلة للحياة، يمكن أن يتسارع التفكك المالي. وبدلاً من الانتقال إلى معيار اليورو أو معيار الرنمينبي، وهو أمر يصعب تصوره حتى الآن، قد يتحول العالم تدريجياً إلى انعدام المعيار أو إلى معايير متنافسة. ليس من الضروري حدوث أزمة تُغيّر النظام، ومع ذلك سيخسر العالم شيئاً ذا قيمة، والولايات المتحدة أكثر من غيرها.
*كاتب مختص في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشن»