في العدد الأخير من مجلة «الشؤون الخارجية» الأميركية عدة مقالات طويلة في الدفاع عن الليبرالية الأميركية في الداخل وفي السياسات الخارجية. ووجهات نظر الكُتّاب، وأغلبهم أساتذةٌ جامعيون، أنّ إدارة الرئيس ترامب تغيِّر جذرياً في القوانين أو تهملها، وتتنكر لحلفاء أميركا، وتُحوّل السياسة الخارجية إلى صفقات شبه تجارية. وفي المحصِّلة فكلَّ هذه السياسات يجري سترها بتغليب الخيارات السلمية في النزاعات المشتعلة.
ويتساءل أحد المعلِّقين بالمجلة: هل ما تزال الجاذبية التقليدية للولايات المتحدة مستمرة لأنّ معظم من يتدخل معه الرئيس يستجيب، سواء أكان من الحلفاء أم من الخصوم، باستثناء حالات قليلة، مثل حالة فنزويلا، وهي حالة مفهومة لأن مطالب الرئيس الأميركي من فنزويلا المحاصرة غير معقولة: ضرورة تنحي الرئيس مادورو! وأصل قصة الجاذبية مقولة الأستاذ الراحل جوزف ناي في كتابه «القوة الناعمة» (1990).
وبحسب الكتاب فلنظام الولايات المتحدة وثقافتها وإدارتها وعلاقاتها جاذبيةٌ بالداخل والخارج، وذلك في الجامعات والتعليم والقوانين وفُرَص النجاح الكثيرة وسياسات الهجرة والاستقطاب والحريات الشخصية. بل ويدافع «ناي» عن حروب الولايات المتحدة أو أكثرها باعتبارها في الغالب حروباً عادلة. ولو لم تكن مسوَّغة لما كان هذا الإقبال من ملايين الناس في العالم على الهجرة إلى الولايات المتحدة أو محاولة ذلك باستماتة!
الأستاذ الآخر هو ميرشايمر الذي يَعتبر نفسَه من «الواقعيين الجدد» والذي يقيّم السياسات الأميركية على ثلاثة أسس: المصلحة الوطنية، والواقعية، والاتجاه للحلول الوسط. لكنه يتابع أنّ هذه الأركان شابَهَا التناقضُ منذ حرب فيتنام. ثم إنّ المصلحة الوطنية فُسِّرت بشكلٍ واسع يبرر «الاعتداء على الآخرين».
وقد ازداد الميلُ للتدخل بالقوة منذ أيام الرئيس ريغان. وبسبب تجاهُل الواقعية، تنجح الولايات المتحدة عسكرياً ثم تخسر سياسياً. ولذا يرى ميرشايمر أنّ مقولة القوة الناعمة ليست صحيحةً أو ليست دقيقة. لكنّ أنصار ناي يردّون عليه بأنّ الجاذبية باقية بدليل الإقبال منقطع النظير في الهجرة إلى الولايات المتحدة، كما الإقبال على الجامعات الأميركية. كل الأساتذة الكبار في السياسة والاقتصاد متشائمون في عهد ترامب. والحجة هي «التدخلات غير المفهومة في كل شيء بما في ذلك القضاء».
لكنهم جميعاً تسيطر عليهم فكرة النجاح الصيني، مما يضطر حتى ترامب للتنازل والتسوية. وليس بعيداً بعد التنازل لروسيا في أوكرانيا! لقد ظلَّ الأميركيون لفترة طويلة يعتقدون أنّ النجاح الاقتصادي الكبير لا يتم إلا في نظام حر وليبرالي في الاقتصاد على الأقل، لكنه لا بد أن يقترن خلال نجاحه بالديمقراطية.
وقد اختارت الصين الحريات الاقتصادية المنضبطة، وصرامة الحزب الواحد في الوقت نفسه. ونجحت نجاحاً أسطورياً في فترةٍ قصيرة. فهل ينبغي تقليدها؟! أم يبقى نموذج الهند للنجاح هو الأقرب لنموذج الولايات المتحدة، مع أن الهند في ظل حرياتها الاقتصادية تتجه للتضييق في الحريات الديمقراطية؟ وهل ينبغي الانتظار لمعرفة نتائج سياسات ترامب؟