منذ خمسينيات القرن الماضي، شهدت الساحة العربية تحولات فكرية وسياسية واجتماعية عميقة، وكان المثقف العربي حاضراً فيها بعمق، بل إنّه كان فاعلاً رئيسياً في تشكيلها. في تلك الفترة خرج جيل الخمسينيات والستينيات في سياق تحرّر وطني واسع وصعود للأفكار القومية واليسارية والتحررية. ومع ذلك، تبيّن لاحقاً أن هذا الاندفاع، لم يكن دائماً مؤسّساً على مشروع وطني مستقل، بقدر ما كان مرتبطاً بأيديولوجيات تتجاوز حدود الواقع وجغرافية الوطن. في تلك الحقبة، تركّز دور المثقف في التنظير والتعبئة وإنتاج الخطاب، أكثر مما تركّز في المشاركة الفاعلة في بناء الدولة وتنميتها. وشَعر كثير من المثقفين آنذاك بأنهم أصبحوا ضميراً نقدياً معارضاً وحمَلة رسالة تغيير شمولية، ووجد المثقف نفسَه في قلب نزاعات فكرية، تعكس هويات فكرية متعارضة أكثر مما تعكس انخراطاً في مشروع وطني جامع وملموس.
ومع توالي الانتكاسات السياسية، بدأ المثقف العربي يدرك أن الشعارات الكبرى لم تتحول إلى برامج وطنية عملية، وأنه كان في أحيان كثيرة أقرب إلى «المعارض السلبي» منه إلى الشريك الفاعل في البناء. كما كشفت التحولات العالمية المتسارعة محدوديةَ الشعارات الكبرى عندما لا ترتبط بعمل مؤسسي منظّم وبمصلحة وطنية ملموسة تعيش في تفاصيل الواقع.
واليوم تغيّر مفهوم المثقف العربي بصورة واضحة. فبعد أن كان ينظر إلى الدولة الوطنية بوصفها هدفاً للنقد وموضوعاً للمساءلة، بات كثير من المثقفين ينظرون إليها باعتبارها إطاراً طبيعياً للمشاركة والبناء والإصلاح. ولم يَعُدْ المشروع القومي أو الفكري يتقدم بالضرورة على المشروع الوطني، بل أصبح ينطلق منه ويتكامل معه، من خلال برامج ومبادرات وطنية تقوم على قِيم المواطَنة وسيادة القانون والتنمية المستدامة والهوية الثقافية المتصالحة. كما دفعت التحولاتُ السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي المثقفَ إلى إعادة تعريف رسالته. وباتت الوطنيةُ تُقاس اليوم بقدر مساهمة المثقف الفعلي في نهضة وتنمية وطنه، وتعزيز الهوية الوطنية، ودعم المشاريع التنموية والعلمية، والمشاركة في صياغة السياسات العامة.. لا بنسبة تعبيره عن المشاريع القومية أو الثقافية العامة غير المرتبطة بواقع الدولة والمجتمع.
وتبرز هذه التحولات بوضوح في التجربة الثقافية الإماراتية، حيث تبلورت رؤيةٌ حديثةٌ لدور المثقف في إطار مشروع وطني تنموي شامل. فالثقافة في الإمارات لم تُعد مجرد نشاط نخبوي محدود، أو سجالاً أيديولوجياً مغلقاً، بل أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية الدولة لبناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية. وقد أسهمت المؤسسات الثقافية، والجوائز الأدبية العالمية، والمشروعات المعرفية الكبرى، في نقل المثقف من موقع الوقوف على هامش الحياة العامة أو في مواجهتها، إلى موقع الشراكة الفعلية فيها. وأصبح جزءاً من رؤية تقوم على تعزيز الانتماء الوطني، وترسيخ قيم التسامح والعيش المشترك، والانفتاح على العالَم، مع الحفاظ على الأصالة والتراث الوطني. وهكذا تجسّدت التجربة الإماراتية في جعل المثقف مركزاً للمشروع الوطني، يربط الحرية بالمسؤولية، والهوية بالحضور الإقليمي والدولي الممثل للدولة.
وخلاصةُ الرحلة أن المثقف العربي لم يفقد دورَه، لكنه أعاد تعريفَه على نحو أعمق.. فقد انتقل من مثقف أيديولوجي محمّل بأحلام كبرى لا تخدم دائماً المصالح الوطنية المباشرة، إلى مثقف وطني منخرط في بناء وطنه ومنفتح في الوقت ذاته على فضائه القومي والدولي، يوازن بين الحرية والمسؤولية، بين الفكرة وتطبيقها. وأصبح اليوم جزءاً أساسياً من مشروع التنمية الوطنية والبناء القومي للدولة، وأدرك أن الفكر لا يكتمل إلا حين يتحول إلى فعل، وأن الوطنية ليست شعاراً ثقافياً يُرفع، بل ممارسة يومية حيّة تُسهم في تقدم الوطن وتعزيز مكانته إقليمياً ودولياً.
*كاتبة إماراتية