مع أنني كما ذكرت في المقالة الماضية لا أتحمس للكتابة عن حصاد عام مضى وتوقعات عام جديد، إلا أنني تناولت فيها ظاهرة قد يُقدر لها أن تتفاقم في العام الجديد، وهي الخلاف داخل التحالف الغربي، واليوم أتناول ظاهرة مزمنة في العلاقات الدولية لا يمكن نسبتها لعام أو أعوام أو حتى حقبة تاريخية بعينها، لكنها تبدو وقد ازدهرت في الأعوام الأخيرة، وهي وفقاً للمؤشرات المتاحة مرشحة لمزيد من الازدهار، وهي ظاهرة العسكرة في العلاقات الدولية، ومن حق المدرسة الواقعية في تحليل العلاقات الدولية أن تفخر بأنها أول من أَصَّل لهذه الظاهرة، فالقوة وفقاً لها هي الهدف الأعلى لأي دولة كي تتمكن من تحقيق مصالحها، ولهذا تتسابق الدول في زيادة قوتها، وينجم عن هذا السباق موازين للقوى بين الدول، كل حسب مقومات قوتها، ولأن العلاقات الدولية عكس السياسات الداخلية لا تعرف ظاهرة السلطة المركزية، فإن درجة الفوضى فيها تكون أعلى بما لا يُقارن في تلك السياسات.
وتحاول الدول القوية أن تحقق أهدافها في الساحة الدولية دون استخدام فعلي للقوة بالتهديد باستخدامها فيما يُعْرَف بالردع، فإن فشلت أصبحت الحروب حتمية، وهو ما حدث في تطور العلاقات الدولية عبر التاريخ.
وقد شهد القرن الماضي وحده حربين عالميتين غير مسبوقتين فيما ترتب عليهما من خسائر، وتلتهما الحرب الباردة التي وإن لم تشهد حروباً مباشرة بين القوتين العظميين ومعسكريهما إلا أنها انطوت على عديد من الحروب بالوكالة إلى أن انتهى الصراع بينهما بانتصار المعسكر الرأسمالي على خصمه بتفكك الاتحاد السوفييتي، الذي روّج البعض بعده للمقولة الساذجة لنهاية التاريخ، بمعنى أن الصراع قد حُسِم، ولم يعد فيه مجال لمزيد من التفاعلات، غير أن نشوة الانتصار سوّلت للتحالف الغربي وبالأحرى الولايات المتحدة أن تواصل نهجها في الحرب الباردة بالاستمرار في تطويق روسيا، ونجحت في هذا الصدد إلى أن وصلت إلى أوكرانيا شديدة الرمزية بالنسبة لروسيا، وحاول الرئيس الروسي بوتين التوصل إلى حل دبلوماسي لهذا التهديد استجابت له أوكرانيا والغرب شكلياً مع الاستمرار في المراوغة، حتى اضطُر لبدء عمليته العسكرية في فبراير 2022، والتي تجاوز عمرها الآن 3 سنوات، وشهد العام التالي بداية مواجهات دامية على أرض غزة، امتدت للضفة ولبنان واليمن وإيران.
وبغض النظر عن بعض المواجهات الإقليمية المحدودة في آسيا فإن صعود القوة العسكرية الصينية لم يعد موضع شك، ناهيك عن مؤشرات التوتر العسكري حول بحر الصين الجنوبي، وأخيراً وليس آخراً تصاعدت توترات الكاريبي بدءاً بإعلان وثيقة ترامب للأمن القومي التي أعادت الحياة لمبدأ مونرو، الذي تجاوز القرنين عمراً، وكانت مقدمة لأحداث فنزويلا الأخيرة التي لم تكتمل فصولها بعد، كما أن تطورات التحالف الغربي أعطت دفعة للمطالبين بإحياء فكرة البديل الدفاعي الأوروبي المستقل.
والأخطر أن بعض القوى الرئيسية التي اتبعت نهجاً سلمياً منذ نهاية الحرب الثانية كألمانيا واليابان قد بدأت في تطوير خطط لبناء قوة عسكرية ضاربة، وذلك رغم أن خبرة التاريخ تفيد أن القوة العسكرية كثيراً ما أخفقت في حسم الصراعات، فإلى أين يتجه العالم؟
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.