يشهد قطاع التدريب والتأهيل في دولة الإمارات العربية المتحدة تطوراً ملحوظاً يعكس الرؤية الاستراتيجية للدولة في الاستثمار في الإنسان بوصفه الثروة الحقيقية والمحرك الأساسي للتنمية الشاملة. فقد حرصت الجهات الحكومية وشبه الحكومية، بالتعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية، على تنويع برامج التدريب الموجهة للمواطنين لتشمل مجالات متعددة، إضافة إلى البرامج المهنية والتخصصية المرتبطة بسوق العمل. ويتميّز هذا التنوّع بمرونته وقدرته على تلبية احتياجات مختلف الفئات العمرية والمستويات التعليمية، كما يراعي الفروق الفردية والميول المهنية، مما يسهم في إعداد كوادر وطنية قادرة على مواكبة المتغيرات المتسارعة في بيئة العمل المحلية والعالمية.
ويُعد «برنامج خبراء الإمارات»، الذي تم تطويره عام 2019 بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أحد المبادرات الاستراتيجية النوعية الرامية إلى صقل مهارات الخبرات الإماراتية، لتصبح قادرة على تولي مناصب قيادية، والمساهمة بشكل فعّال في دعم خطط التنمية الوطنية.
ويهدف هذا البرنامج إلى تجهيز نخبة من الخبراء الإماراتيين المؤهلين علمياً وعملياً لدعم صياغة السياسات الوطنية، وتعزيز قدرة الدولة على اتخاذ القرارات المبنية على المعرفة، بما يواكب أفضل الممارسات العالمية، حيث يعمل على تطوير عدد من القدرات النوعية المتخصّصة، تشمل: المهارات التحليلية والتأملية والتنفيذية والتعاونية، بهدف بناء خبرة تعلم شاملة طويلة التأثير، تساعد المشاركين على صنع القرار والتعامل مع التحديات.
وقد حقق البرنامج خلال عام 2025 إنجازات نوعية، من خلال تخريج الدفعتين الثانية والثالثة في نوفمبر 2025، في احتفال أقيم على هامش الاجتماعات السنوية لحكومة الإمارات، وشهد احتفاءً بتخريج 40 خبيراً إماراتياً، منهم 25 خريجاً في الدفعة الثانية و15 خريجاً في الدفعة الثالثة، وتغطي تخصصاتهم 23 قطاعاً وطنياً، وتضم كل دفعة خمسة زملاء يمثلون القطاعات الحيوية التي تشكّل ركيزة التنمية المستقبلية للدولة.
وإضافة إلى ما سبق، اختتمت الدفعة الرابعة أعمالها في أكتوبر 2025 بنجاح، بمشاركة 25 خبيراً أكملوا برنامجاً مكثّفاً استمر عاماً كاملاً. وقد قدَّم 8 من خبراء هذه الدفعة ابتكارات وحلولاً لعدد من التحديات الوطنية في مجالات التعليم والرعاية الصحية والاستدامة والثقافة والأمن الغذائي، من خلال مؤتمر العلوم السلوكية العالمي الذي أقيم في أبوظبي، وهو ما يعكس نجاح هذا البرنامج في ربط المعرفة بالتطبيق العملي لدعم صنع السياسات بشكل فعّال.
ومن بين الأنشطة التي قدّمها البرنامج على صعيد تحويل المعرفة إلى ممارسات وتطبيقات عملية، المشاركة في «مشروع تطوير المجتمعات المحلية في المناطق النائية»، فيما انضم عدد من منتسبي البرنامج إلى مهمة إنسانية دولية ضمن الجهود المجتمعية، من خلال برنامج تطوعي جراحي، نظّمته مؤسسة «عملية الابتسامة – المغرب» بالتنسيق مع مؤسسة «عملية الابتسامة الإماراتية» في مدينة الناظور بالمملكة المغربية، وتولى فيه المتدربون أدواراً تطوعية غير طبيّة، وقد حظيت هذه المهمة بدعم من شركة مبادلة للاستثمار «مبادلة»، الشريك الاستراتيجي للبرنامج، فضلاً عن مشاركة خبراء البرنامج في الفعاليات المتصلة بـ«يوم التعليم الإماراتي».
ومع تسارع التحول الرقمي عالمياً وتنامي دور الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً رئيساً للنمو الاقتصادي والتنافسية، تم في نوفمبر 2025 إطلاق «برنامج خبراء الإمارات للذكاء الاصطناعي» كرافد إضافي جديد لـ«برنامج خبراء الإمارات»، لبناء جيل من الكفاءات المتخصّصة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يعزّز مكانة دولة الإمارات في مصاف الدول الرائدة عالمياً في هذا القطاع الحيوي، ويستهدف البرنامج الجديد تأهيل 100 خبير في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة، عبر تجربة تعليمية نوعية تجمع بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق العملي، تتضمن زيارات ميدانية إلى أبرز مراكز الذكاء الاصطناعي العالمية.
إن النتائج الإيجابية لـ«برنامج خبراء الإمارات»، ولعملية التدريب المُستدام، تظهر بوضوح في بناء رأسمال بشري وطني مؤهل لقيادة مستقبل الدولة. فاستمرار الاستثمار في تدريب المواطنين يعزّز جاهزيتهم لتولي المناصب القيادية، ويدعم سياسات التوطين الفعّالة، ويسهم في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. كما يرسّخ التدريب المستدام قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية، ويجعل المواطن شريكاً فاعلاً في مسيرة التنمية.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.