كيف يمكن تقييم حصيلة 2025 الجيوسياسية؟ الأكيد أن هذا العام تميز بعودة دونالد ترامب إلى السلطة وهو أكثر تصميماً على ترك بصمته على السياسة الأميركية، بل والسياسة العالمية بشكل عام، مقارنة بولايته الأولى. وإذا كان من النادر أن يفضي التناوب السياسي داخل بلد من البلدان إلى تغيير جذري في الدبلوماسية، على اعتبار أن الاستمرارية عادة ما تتغلب على التغيير، فإن العكس هو الصحيح في حالة دونالد ترامب الذي يريد منح الدبلوماسية الأميركية اتجاهاً جديداً تماماً.
والحال أنه حينما تغيّر أقوى دولة في العالم سياستها الخارجية بشكل كامل، فإنه من نافلة القول إن تداعيات ذلك ستكون عالمية.
ترامب يرى أن الولايات المتحدة حرصت، منذ نهاية الحرب الباردة، على احترام القانون والمؤسسات الدولية التي أصبحت تكبح قوتها، ويريد وضع حد لتعددية الأطراف التي باتت تحصر الولايات المتحدة في نظام من الالتزامات المقيدة لها. وبالمقابل، تبدو العلاقات الثنائية في صالح واشنطن بسبب موازين القوى المواتية، ولهذا، يريد ترامب استخدام القوة الأميركية للحصول، عن طريق الضغوط الاقتصادية، على مزايا من شأنها إطالة أمد الهيمنة الأميركية وتعزيزها. فمن خلال ممارسته ضغوطاً قصوى، يريد ترامب جعل الدول الأخرى تقدم له مزايا اقتصادية وتجارية لم تكن ترغب في منحها إياه، لكنها تعلم جيداً أن مصيرها سيكون عقوبات شديدة إن هي رفضت.
كيف يتصرف اللاعبون الآخرون تجاه هذا الأمر؟ الواقع أن الأوروبيين يبدون الأكثر حيرة وارتباكاً بعد أن أخبرهم ترامب بأن التضامن الأطلسي الذي بنوا عليه أمنهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يعد موجوداً. وفي الوقت الذي يشعرون فيه بتهديد عسكري من موسكو، يرى الأوروبيون ترامب وهو يستقبل بوتين بحفاوة كبيرة ويتخلى عن أوكرانيا التي جعلوا من الدفاع عنها أولوية قصوى. والأنكى من ذلك أن رفض ترامب للقيم الغربية والقانون الدولي ينسف كل الخطاب الذي بنوا عليه علاقاتهم الدولية.
واللافت أن الأوروبيين، الذين يبدون في حالة من إنكار الواقع، يتصرفون كما لو أن العالم الغربي، كما تم تعريفه في نهاية الأربعينيات، لا يزال قائماً.
والحال أن ترامب قال لهم غير ما مرة إن الأمر لم يعد كذلك، بل إنه ذهب إلى حد التصريح بأن الاتحاد الأوروبي إنما أُنشئ من أجل «استغلال» الولايات المتحدة. كما أعلن رغبته في ضم غرينلاند، التابعة للدنمارك (الدولة المؤسسة لحلف الناتو)، وكندا. وهكذا، تحولت الولايات المتحدة من قوة حامية إلى قوة مهاجمة، في وقت لا يعرف فيه الأوروبيون كيف ينبغي لهم أن يتصرفوا حيال ذلك.وفي الأثناء، قبل الحلفاء الآسيويون على مضض الضغط الاقتصادي الذي فرضه ترامب، ولكنهم يبحثون في الوقت نفسه عن بدائل. وبالمقابل، تبدو الدول الخليجية الأفضل حالاً في هذا الوضع، وذلك بالنظر إلى أن المقاربة القائمة على عقد صفقات تناسبها تماماً وتتوافق مع رؤيتها غير الأيديولوجية للعلاقات الدولية. وعلاوة على ذلك، فإنها تحافظ على علاقات قوية مع واشنطن في الوقت نفسه الذي تعمل فيه على تنويع علاقاتها وتوسيع هامش المناورة لديها.
أما دول أميركا اللاتينية، فتنقسم إلى دول قليلة تعتبر نفسها حليفة لترامب (الأرجنتين وتشيلي والسلفادور وهندوراس)، وأغلبية تريد مقاومة إعادة تفعيل «مبدأ مونرو» الذي يمنح الولايات المتحدة حق التدخل في سياساتها، ذلك أن ترامب يريد تقليص نفوذ الصين في هذه المنطقة، وهو أمر يبدو من المستحيل تحقيقه. والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا هو زعيم الحركة المناهضة لترامب في أميركا اللاتينية.
وبالمقابل، يبدو بوتين ونتنياهو سعيدين بعودة ترامب إلى السلطة لأنه يسمح لهما بحرية التصرف، في أوكرانيا بالنسبة للأول، وفي غزة بالنسبة للثاني. كما يبدو شي جين بينغ سعيداً أيضاً بعودة ترامب إلى البيت الأبيض، وهو ما قد يبدو نوعاً من المفارقات بالنظر إلى هوس ترامب بالصين، غير أن «شي» يعتقد أن سلوك ترامب غير ناجح، وأنه نظراً لأن الطبيعة تكره الفراغ، فإن الصين ستملأ الفراغ الذي خلّفه انسحاب الولايات المتحدة من المؤسسات الدولية.
وفي ظل هذه الظروف ستبدو الصين شريكاً موثوقاً ومستقراً يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل. والحق أنها أظهرت بالفعل أنها قادرة على مقاومة الضغوط الاقتصادية التي يمارسها ترامب، بل وحتى قلبها لصالحها، إذ يرى «شي» أن سياسة ترامب ستسهم في «جعل الصين عظيمة من جديد».
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس