قد يكون هذا العام آخر عام كبير يتمكن فيه «الجمهوريون» من إنجاز أمور مهمة لفترة من الزمن. فالرئيس دونالد ترامب يقضي العام الثاني من ولايته الثانية، والأخيرة قبل أن يدخل مرحلة «البطة العرجاء». وتشير التجارب التاريخية إلى أن حزبه من غير المرجّح أن يحتفظ بالكونجرس بعد انتخابات التجديد النصفي. ماذا يريد الجمهوريون؟
مع بداية عام 2026، لستُ متأكدةً من أنهم يعرفون ذلك. كان العام الماضي عام الاندفاعة الكبرى: خفض الإنفاق عبر وزارة الكفاءة الحكومية، مشروع قانون التسوية، الإعفاءات الضريبية، وعمليات الترحيل، والرسوم الجمركية، وتأمين الحدود الجنوبية. لقد كانت فترة ولاية مدتها أربع سنوات مضغوطة في عام واحد. يكاد يكون من السابق لأوانه التساؤل: وماذا بعد؟ لكننا نعيش لحظة تاريخية يتسارع فيها الزمن، كما يؤكد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته. لكن ماذا عن السياسة الداخلية؟
تحدثتُ مع بعض المطّلعين على بواطن الأمور في واشنطن لمعرفة آرائهم.
قال أحد المخضرمين في العمل السياسي: «يريدون الفوز بمجلس النواب مجدداً في عام 2026، لكنهم لا يعرفون كيف يحافظون عليه». وقال رئيس سابق لمكتب في الكونجرس: «الحزب الجمهوري متحمّس لموسم الضرائب، حيث سيحصل الناس على مبالغ أكبر من الاسترداد الضريبي، وتبدأ حسابات الإدارة بتلقّي الإيداعات الأولى».
وبعبارة أخرى، يدور عام 2026 حول الاستفادة من الزّخم الذي خلّفته دوامة عام 2025. لكن السؤال: هل تسير الأمور في الاتجاه الصحيح؟أظهر استطلاع «جالوب» أن أكثر من ثلاثة أرباع الأميركيين استقبلوا العام الجديد وهم يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. بلغت نسبة تأييد الرئيس ترامب 36%، بينما انخفضت نسبة تأييد الكونجرس إلى 17%، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد.
ويشار هنا إلى أن ترامب فاز بأغلبية الأصوات الشعبية قبل 14 شهراً فقط، ولم يكن فوز الحزب بالنتيجة المتوقعة.
الوقت ينفد أمام الجمهوريين لتمرير تشريع كبير، ومعه حلمهم بعيد المنال بالحفاظ على سيطرتهم الكاملة على واشنطن. من المؤكد أن قاعدة مؤيدي ترامب مهتمة بتعزيز أجندة خفض تكاليف المعيشة، وهذا أمرٌ منطقي، نظراً لارتفاع أسعار السكن والتعليم والرعاية الصحية. ستساعد الإعفاءات الضريبية في هذا الصدد. كما أن حسابات ترامب المالية تُعدّ أمراً جديداً ومُصمّماً خصيصاً لمصلحة الحزب الجمهوري. لكن أسعار المواد الغذائية ارتفعت جزئياً بسبب الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب. كما أن جزءاً كبيراً من ضغوط غلاء المعيشة مرتبط بالرعاية الصحية. ولطالما شكّل خفضُ تكاليف الرعاية الصحية معضلةً للحزب الجمهوري منذ فشله في تقديم بديل مقنع لقانون الرعاية الصحية الميسّرة قبل عقد من الزمن. ربما نشهد تصاعداً في التوافق بين الحزبين لدعم الطبقة العاملة الأميركية.
عادةً ما أكون متفائلةً بشأن التوافق بين الحزبين، وذلك لأنه غالباً ما يعكس الحكمةً والتسوية. إذا ما تحقق هذا التوافق في عام 2026، فمن المرجح أن يُمثّل توحيداً بين طرفي نقيض، كما حدث في صورة عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، مع ترامب في المكتب البيضاوي في نوفمبر. أو الفكرة المتداولة في أوساط صنّاع السياسات لتحويل عائدات الرسوم الجمركية إلى شيكات تحفيزية، وهي فكرة تُعتبر من أكثر الأفكار تقدميةً. لكنني أرى أنه من الصعب وضع أجندة مستدامة في خضم أزمة هوية، وهي أزمة يعاني منها الحزب الجمهوري بلا شك. لم يكن الانتقال من مبادئ السوق الحرة والحكومة المحدودة إلى الشعبوية والحمائية سلِساً أو مكتملاً على الإطلاق.
ومن التناقضات في الحزب الجمهوري المعاصر: تمجيد الوطنية الأميركية مع تشويه سمعة الخدمة المدنية، والتركيز المفرط على «الفتك» العسكري مع التقليل من شأن الحلفاء، وادعاء دعم النمو مع تقييد رأس المال والعمالة، ومعارضة «الدولة العميقة» مع فرض تعهّدات الولاء لشعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماجا)، والتنديد بالعجز مع تمرير مشاريع قوانين إنفاق غير ممّولة، وتبنّي المحافظة الاجتماعية مع النأي بالنفس عن قضايا مناهضة الإجهاض. وأحدثها: التدخل العسكري في مقابل شعار «أميركا أولاً وفقط». ستستغرق هذه المعضلات سنوات. وفي هذه الأثناء، هناك مجالات أخرى سهلة نسبياً يمكن للحزب الجمهوري أن يحقق فيها تقدماً هذا العام.
فعلى سبيل المثال، لا شك في أن أطفال أميركا ليسوا أصحاء ولا في وضع جيد. أما أصباغ الطعام ومسكنات الألم فمجرد تضليل. ينبغي للحزب أن ينشئ لجنةً وطنيةً للأطفال والعائلات تتولى - من بين أمور أخرى - دراسةَ كيفية حماية الأطفال في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي. سيكون ذلك توجّهاً استشرافياً وبناءً للإرث، على غرار حرب الرئيس رونالد ريجان ضد المخدرات أو حرب الرئيس ليندون جونسون ضد الفقر. ينبغي السعي نحو علاج غلاء المعيشة بالطريقة المحافظة: إعلان أمن الحدود الجنوبية (وهو كذلك) ولفت انتباه العالم (وهو كذلك بالفعل)، وتخفيف القيود المتقلّبة على السلع والعمالة، والتي لا تمّت للمحافظة بصلة.
تخفيف القيود التنظيمية. إعادة المدارس إلى مسارها الصحيح. الاقتداء بنهج ريجان في ولايته الثانية، واستغلال هذه الفرصة لضبط الميزانية، وحصر الدَّين الفيدرالي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.. وستشكركم الأجيال القادمة. ومن الجدير بالذكر ما قيل مراراً وتكراراً: أميركا بلد كبير ومتنوّع. نحن منقسمون سياسياً إلى نصفين. التفويضات الشعبية ضئيلة وقصيرة الأمد، كما تؤكد استطلاعات الرأي. إنّ التذمر من اليسار الراديكالي أو سياسات بايدن الاقتصادية ليس إرثاً، بل هو رد فعل. على مدى العقد الماضي، لم يمتلك أي «ديمقراطي» نفوذاً سياسياً أكبر مما يمتلكه ترامب اليوم. لذا، كفى انتقاصاً من الرؤساء السابقين. كفى زرع الفتنة بين الأميركيين.
إن القادة السياسيين الذين ارتقوا فوق أعمق انقسامات أميركا هم مَن نُكرمهم ونخلِّد ذكراهم. يصادف عام 2026 الذكرى السنوية الـ 250 لتأسيس بلدنا الاستثنائي. ليس هناك وقت أفضل من الآن للحزب الجمهوري لتغيير مساره.
*كاتبة ومديرة سابقة في معهد «أميركان إنتربرايز».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشن»