مرّ عقدان على رحيل الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم رحمه الله، ولم ترحل عنا إشراقة ابتسامته المميزة ولا انفرط عِقد ولا عَقد محبته في قلوبنا.
طوال عشرين عاماً، استطيع القول بلا تردد، ومن خلال لقائي اليومي بالناس، سواء من أعيان البلد أو من العامة، إن سيرته لم تنقطع عن الألسن، ولكل من التقيت به ولو لمرة واحدة في العمر قصة مثيرة للاهتمام والإعجاب.
كنت في مجلس أحد الأعيان منذ فترة قصيرة، وكانت سيرة الشيخ مكتوم رحمه الله، حاضرة رأي العين، فأخذنا الحديث تلو الآخر، حتى وصل إلى سمع أحد الضباط المتقاعدين ممن عملوا في مركز شرطة ند الشبا حيث «منزله» كما كان يحب أن يقال عن قصره من شدة تواضعه، وكنت شاهداً على لوحة بنائه الذي كتب عليه لفظ «المنزل»، وليس القصر، كلمنا هذا الضابط عن هذه الحادثة التي يعتبر نفسه شاهداً عليها.
يقول: خرج الشيخ مكتوم من منزله، فإذا به يفاجأ برجل يقطع الشارع أمام مركبته دون أن يدرك بأنه في خطر عظيم، فتوقف سموه لينقذه بكل هدوء حتى لا يفزع، ثم نزل من مركبته سائلاً هذا الرجل عن وجهته، فأدرك بأنه «أعمى» لا يبصر طريقه، فقال له: أنت من أين؟ فأجاب: من إمارة عجمان. يواصل الضابط الحديث: «صادف أني مررت في ذات الطريق، فرأيت سموه يتحدث مع الرجل، فلم أقترب منه مراعاة للخصوصية، فنادى علي، آمراً بإيصال هذا الرجل إلى وجهته، ثم ناولني ظرفاً أضعه في جيبه دون أن ينتبه أو يشعر به.لقد أكبرته في نفسي على هذا الصنيع وهو كبير المقام، وخاصة عندما كلفني بمساعدة هذا الشخص الضرير، وليس إنساناً آخر، بل كان بإمكانه أن يأمرنا كي نوفّر له مركبة أجرة تقله إلى إمارة عجمان دار الأمان، ولكنه أصر على توصيله بيد رجال الأمن، زيادة في طمأنينة قلبه عليه». و كأنه أراد أيضاً أن يوصل لنا رسالة جوهرها أنّ «الإنسان قبل المكان»، المواقف الإنسانية للشيخ مكتوم رحمه الله  ينطبق عليها قول أحد الحكماء الذي يرى أن: (من غَرَس بقلبه حب الخير للناس، أزهرت له قلوب الناس محبةً). هذه هي المعركة الإنسانية الحقيقية التي أثبت فيها الشيخ مكتوم رحمه الله معنى البطولة العميقة، التي لا تقتصر على الحروب، ذلك لأن هناك ألف مكان آخر يمكن أن يكون الإنسان فيها بطلاً حقيقياً، نحن لا نريد أكثر من أن نكون بشراً.
والذي يريد أن يعرف مدى عطايا الشيخ مكتوم رحمه الله، لشعبه، كان يمكنه أن يمر على ديوانه فحسب، حتى يدرك امتداد يده لعامة الناس، ولو في أبسط حاجياتهم.
يقول أحد كبار المسؤولين في الدولة، كان الشيخ مكتوم، معروفاً بكرمه لدى الصغير والكبير في أنحاء الإمارات، وكان الشباب والكبار يلتقون به في مجلسه وأحياناً كثيرة يسلمون طلباتهم لمكتبه ويأتيهم الجواب بالموافقة، وكان أحد أبرز القيادات التاريخية التي كان لها شأن في بناء الدولة.
لا زال «بوسعيد» رمزاً يدلنا على الطريق نحو المعالي برفعة المعاني قبل المباني، فهو الرقم الصعب في معادلة صناعة الوطن.

*كاتب إماراتي