في الثالث من يناير قامت القوات الأميركية باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك. كانت العملية العسكرية متقنة وربما خالية من أي خسائر بشرية أميركية. ومع ذلك، ستكون لتداعيات هذه العملية عواقب عالمية قد تُلقي بظلالها على رئاسة دونالد ترامب.
لقد قوبل قرار ترامب استخدام القوة العسكرية للإطاحة بمادورو، وتصريحه بأن الولايات المتحدة باتت «تسيطر» على فنزويلا واحتياطياتها النفطية الهائلة، بترحيب من الفنزويليين الذين فرّوا من بلادهم هرباً من القمع. وبينما أعرب بعض «الجمهوريين» عن أسفهم لهذا الإجراء، فإن معظم قادة الحزب الجمهوري يدعمون ترامب. وعلى النقيض من ذلك، يرى كثير من قادة العالم، بمن فيهم حلفاء للولايات المتحدة، أن العملية محفوفة بالمخاطر والغموض، إذ لا يزال أبرز مؤيدي مادورو في السلطة.
وإذا رفض هؤلاء الانصياع لمطالب ترامب، بما في ذلك إصراره على أن تتولى شركات النفط الأميركية السيطرة على البنية التحتية المتدهورة للطاقة في فنزويلا، فقد يندلع العنف، وقد تجد الولايات المتحدة نفسها متورطة في صراع فوضوي مكلّف.
والأهم من ذلك، أن قرارات ترامب وتصريحاته تحظى باهتمام في كل من روسيا والصين، إذ يدرك هذان البلدان جيداً القدرات العسكرية الأميركية، لكن لا بد أنهما مسروران لأن ترامب يعزز اعتقادهما بأن العالم يعود إلى مناطق النفوذ الإقليمية التي هيمنت على العلاقات الدولية في الماضي. تطمح روسيا إلى أن تصبح القوة المهيمنة في أوروبا وأن تستعيد أوكرانيا. وتوفر مطالبة ترامب الجديدة لكل من كولومبيا وكوبا بالخضوع لرغباته غطاءً مثالياً لبعض الدول التي تريد متابعة أجنداتها الخاصة متجاهلةً النظام الدولي القائم على القواعد والذي تم إرساؤه بعد الحرب العالمية الثانية.
والواقع أن القوى الكبرى، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين، لا تملك القدرة اللازمة لإخضاع الأميركيتين وأوروبا وشرق آسيا لهيمنتها إذا واجهت معارضةً حازمة. فقد اتضح للجميع بأن أوكرانيا لم تكن هدفاً سهلاً، إذ بعد نحو أربع سنوات من الحرب المستعرة، تعثّر التقدم الروسي في أوكرانيا بفعل الصمود الأوكراني والدعم الذي قدمه أعضاء رئيسيون في حلف «الناتو»، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وعلاوة على ذلك، فإن الاقتصادات المجمعة للاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تَفُوق بكثير اقتصادَ روسيا، ومع تحول إعادة تسليح ألمانيا إلى واقع، تجد روسيا نفسَها أمام أوروبا التي أدركت أخيراً أنه لم يعُد من الصحيح بالنسبة لها الاعتماد على الولايات المتحدة في دفاعها النهائي. كما تواجه السياسات الصينية في المحيط الهادئ معارضةً جديّة من قوى آسيوية مهمة، لا سيما اليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا والهند. حتى إن اليابان أصبحت أكثر انفتاحاً على عقد نقاش حول دفاعها وإعادة النظر في معارضتها للأسلحة النووية.
وهذا يقودنا إلى الولايات المتحدة وقدرتها على فرض إرادتها على جيرانها في الأميركيتين. فعلى المدى القصير، سيتوقف ما يحدث في فنزويلا على درجة التعاون بين الولايات المتحدة والحكومة التي لا تزال خاضعة لسيطرة رجال مادورو. وإذا تعاونوا مع واشنطن، فقد تشهد البلاد فترة من الهدوء. لكن مع مرور الوقت ستصبح هذه الإجراءات غير مقبولة لدى دول مهمة، من بينها كندا والمكسيك والبرازيل.
فهذه الديمقراطيات الثلاث ترى في استراتيجية ترامب تهديداً لاستقرارها. وقد تؤدي ردة فعل معاكسة ضد الولايات المتحدة إلى الإضرار بالروابط الاقتصادية القوية التي خدمت مصالح الدول الثلاث جيداً، كما ستقوّض نفوذ الولايات المتحدة وقوتها في محيطها الإقليمي المباشر. وإذا واصل ترامب تهديدَه باحتلال جرينلاند، فسيواجه معارضةً مريرةً في أوروبا، ما سيقوض تحالف «الناتو» ويثير غضباً عارماً لدى قادة «جمهوريين» بارزين كانوا يدعمونه حتى الآن.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن