لم يعُد الإعلام مجرد ناقل للخبر، بل أصبح أحد أهم أدوات النفوذ وصياغة الصورة الذهنية للدول. من هذا المنطلق، جاء إنشاء الهيئة الوطنية للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة، كتحول مؤسسي يستهدف ترقية المنظومة الإعلامية من تعدد الأدوار إلى وحدة التوجه والفعالية، بما ينعكس مباشرة على تعزيز القوة الناعمة للإمارات إقليمياً ودولياً.والحاصل أن القوة الناعمة تُبنى على عناصر مثل السمعة، والجاذبية الثقافية، والإقناع الأخلاقي والمهني. وكل ذلك يحتاج إلى خطاب متّسق.

لذا، وضع المرسوم بقانون الذي أنشأ الهيئة في صلب أهدافها توحيد التوجهات والرسائل الإعلامية عبر تنسيق الجهود وتوحيد الخطاب داخلياً وخارجياً. وهذه الوظيفة ليست تنظيمية فقط، بل إنها شرط سياسي- اتصالي لتعظيم تأثير الدولة عندما تخاطب العالم: رسالة واحدة، بصوت واضح، وبلغة تناسب جمهوراً دولياً متعدد التوجهات.

وفي الواقع، فإن هناك العديد من المزايا التي يوفّرها تأسيس الهيئة الوطنية للإعلام، مثل الحد من تداخل الاختصاصات والصلاحيات، والعمل على تسريع عملية اتخاذ القرار في ملفات حساسة مثل إدارة المحتوى، وتنظيم القطاع، والاستجابة للأزمات، ففي بيئة سريعة التغير، تُعد سرعة الحوكمة الإعلامية جزءاً من حماية السمعة الوطنية ومنع ترسخ سرديات مضلّلة.

ولعله من الجدير بالذكر أن من أبرز اختصاصات الهيئة، اقتراح السياسات والتشريعات والاستراتيجيات لتنظيم وتطوير قطاع الإعلام الوطني، واقتراح الأطر والمعايير الخاصة بالترخيص والأنشطة الإعلامية، بما فيها الإعلام والنشر الإلكتروني، شاملاً العاملين في المناطق الحرة.

وهذا البُعد التشريعي يربط القوة الناعمة بجذرها المؤسسي، ذلك أنه لا صورة إيجابية مستدامة دون بيئة تنظيمية واضحة تحمي المهنة، وتضمن معايير محتوى متّسقة، وتخلق ثقة لدى الجمهور المحلي والدولي. إن القوة الناعمة لا تُدار بردّ الفعل فقط، بل بالاستشراف والاستباق. ومن هنا تأتي أهمية تكليف الهيئة برصد ومتابعة المحتوى الإعلامي لكل ما يُطبع ويُنشر ويُبث داخل الدولة، بما في ذلك المناطق الحرة، ورصد اتجاهات الرأي العام وتحليلها واتخاذ الإجراءات اللازمة، وهذه الوظائف تعني أن الهيئة لا تكتفي بإنتاج محتوى، بل تُدير النظام الاتصالي كاملاً، من قياس، وتحليل، ثم تحسين مستمر للسردية، بما يضمن أن تتطابق الرسالة مع الواقع وتوقعات الجمهور. كما أن اختصاصات الهيئة تتضمن وضع وتنفيذ البرامج والآليات لإدارة الأزمات الإعلامية، وتطوير قدرات للكشف المبكر عن الأزمات الناشئة عن مهددات الإعلام الرقمي والمحتوى السلبي والتضليل. وهنا تتقاطع القوة الناعمة مع مفهوم المناعة الوطنية، فحين تتعرض الدول لحملات تضليل أو تشويه، لا يكون الضرر معنوياً فقط، بل قد ينعكس على الاستثمار والسياحة والشراكات والثقة السياسية.

كما أن التعامل الاحترافي مع الأزمات يثبت قدرة الدولة على ضبط سرديتها. ومن أهم الأدوات العملية لتعزيز القوة الناعمة، القدرة على إيصال الأخبار الرسمية المعتمدة سريعاً، وبدقة، وبأكثر من لغة. هذه التفاصيل تُظهر انتقالاً من إعلام محلي قوي إلى منظومة حضور دولي قادرة على مخاطبة العالم بلغته وبالمعايير المهنية التي يثق بها. وإلى جانب تأسيس الهيئة، جاءت قرارات تعيين معالي عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد رئيساً للهيئة، ومحمد سعيد راشد الشحي نائباً للرئيس، لتعزيز الحوكمة والقدرة التنفيذية. وقد عبّر رئيس الهيئة عن تصور يلتقي مباشرة مع مفهوم القوة الناعمة، أي اعتبار الهيئة قوة دفع توحّد الصوت وتحمي المنجز، وتنقل قصة الإمارات إلى العالم، مع التركيز على التحولات الرقمية وتمكين الكوادر والشراكات الاستراتيجية وصناعة محتوى يعكس قيم الدولة.

إن تأسيس الهيئة الوطنية للإعلام ليس مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل خطوة استراتيجية لرفع قدرة الإمارات على إدارة صورتها وروايتها باحتراف، وتنظيم قطاعها الإعلامي، ومن خلال هذه المنظومة، ستتحول القوة الناعمة إلى سياسة مؤسسية قابلة للقياس والتطوير، لتأكيد حقيقة أن قصة الإمارات يمكن أن تُروى للعالم بصوت واحد، وبمحتوى يليق بحجم الإنجاز.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.