في 31 ديسمبر الماضي تساءلت على هذه الصفحة عما إذا كان التحالف الغربي سيمر بمفترق طرق في 2026. وكان هذا التساؤل مبنياً على أعراض توتر، فخلافات بدأت تظهر بين وجهتي النظر الأميركية والأوروبية منذ ولاية ترامب الأولى. وقد بدأ التوتر بأفكار ترامب الخاصة بإعادة توزيع الأعباء المالية لحلف الأطلنطي باتجاه زيادة الأنصبة الأوروبية في ميزانيته، ومع ذلك فقد كان خلافاً منطقياً عقلانياً، غير أن ترامب بدأ ولايته الثانية بداية مختلفة على نحو جذري، فقد طرح رؤيته الخاصة بتسوية الحرب في أوكرانيا على أساس التسليم بالمكاسب الإقليمية الروسية من الحرب، وهو ما يضرب مفهوم الأمن الأوروبي في الصميم، ثم أردف هذا بعودة الحديث عن استحواذ الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند المتمتعة بالحكم الذاتي في إطار السيادة الدنماركية. وكان قد سبق له إثارة الموضوع في ولايته الأولى، لكنه لم يُحدث نفس ردود الفعل التي يُحدثها الآن، ربما لأن المعنيين لم يكونوا يتصورون جديّة مطالبته بالجزيرة، أو لعل لغته آنذاك كانت أقل فجاجة منها الآن.

والأهم في تقديري أن طرحه الأخير للموضوع جاء في أعقاب عمليته في فنزويلا التي لم تدع مجالاً لشك في صدقية تهديداته، خاصة وقد طرح هو ومساعدوه والمتحدثون باسمه سيناريوهات مختلفة لتحقيق مطالبته بالجزيرة، فإما الشراء أو الحل العسكري، أو كما وضع هو المسألة بمنتهى الوضوح: إما اللين أو الشدة، وقد برر ترامب مطالبته ببساطة بحاجة الولايات المتحدة إليها للحفاظ على أمنها القومي، فالسفن الروسية والصينية تحيط بها، ولا توجد ترتيبات كافية لحمايتها، بينما يكاد يجمع المراقبون على أن الهدف الحقيقي للمطالبة بالإضافة لموقعها الاستراتيجي هو ثرواتها الضخمة من العناصر الأرضية النادرة التي تُستخدم في صناعة السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح وأنظمة التسليح المتقدمة. وهكذا جاءت إجابة السؤال عن عام 2026 ومستقبل التحالف الغربي سريعة للغاية، رغم أن التحول في أي علاقة متجذرة، لابد أن يتم بالتدريج ويستغرق وقتاً يُعْتَد به، فقد اضطُر القادة والمسؤولون الأوروبيون أن يصعّدوا من لهجة رفضهم استيلاء ترامب على جرينلاند، ويُلاحظ أنهم ظلوا طويلاً يحاولون تفادي أي صدام مباشر معه بشأن أفكاره المناقضة لأفكارهم، فعندما كان يطرح مشروعه لتسوية الحرب في أوكرانيا انطلاقاً من ضم روسيا للأراضي التي استولت عليها من أوكرانيا لم يرتفع صوت واحد بأن هذا مخالف للقانون الدولي، وإنما تظاهروا بالانشغال بحديث ضمانات أمن أوكرانيا بعد انتهاء الحرب.

 

وعندما تجدّد حديث ضم جرينلاند كان تعليق بعض القادة أنهم بانتظار توضيحات، غير أن ترامب واصل حديثه الحاسم عن ضم جرينلاند، فلم يجدوا مفراً من الإعراب عن رفضهم لأفكاره، واعتبارها انتهاكاً لحق تقرير المصير، وكان لافتاً أن يصرح وزير الخارجية الألماني بأن حلف شمال الأطلسي يمكنه أن يناقش سبل توفير الحماية لجرينلاند، وأكد بيان صدر عن ست دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي أنه سيواصل التمسك بمبدأ السيادة الوطنية، ودعم الدنمارك دعماً كاملاً، بل لقد طالب نواب بالبرلمان الأوروبي بتجميد اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة، خاصة وقد واجه أصلاً انتقادات واسعة باعتباره منحازاً بشكل كبير للولايات المتحدة، ولا تبدو في الأفق حتى الآن أي علامة على تخفيض التصعيد، فهل يدخل التحالف الغربي نفقاً مظلماً قد لا يخرج منه إلا بعد انتهاء ولاية ترامب؟

*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.