الانقسامات الفنزويلية الداخلية قد تؤدي إلى تصعيد الصراع على السُّلطة، مما يفتح المجالَ أمام مَخرَج انتخابي في غضون عام، شريطة إجراء إصلاح سريع للمؤسسات الانتخابية لضمان نزاهة الاقتراع
احتفالٌ صاخبٌ، يعقبه صداعٌ قاسٍ. ربما هذا هو شعور الكثير من الفنزويليين اليوم، إذ سرعان ما يتبدّد شعور النشوة الذي أعقب القبض على نيكولاس مادورو، ليحل محله الواقع: لا تزال حكومة شافيز تُسيطر على البلاد، على الأقل في الوقت الراهن.
حتى في ظل الإشراف المُباشر من البيت الأبيض، يُعدّ تولي ديلسي رودريجيز، إحدى أبرز مهندسي نظام مادورو في فنزويلا، منصبَ الرئيسة بالوكالة أمراً يصعب تقبُّله. لقد كشف التدخل الأميركي عن سلسلة طويلة من المجهولات. لكن السؤال الأهم بالنسبة لواشنطن والمنطقة هو: كيف سيبدو النجاح في هذه المرحلة الجديدة؟ في عهد مادورو، كانت فرص تحقيق أي تحسّن حقيقي معدومة.
أما اليوم، فالغموض يخيّم، لكن للمرة الأولى منذ سنوات قد تكون فنزويلا على مسار مختلف. يدرك كبار قادة النظام الفنزويلي التشافيزي أنهم عُرضة لتدخلات الرئيس دونالد ترامب، بما في ذلك استخدام القوة الغاشمة وتوجيه الاتهامات. وهذا يجعل وضوح الهدف أمراً أساسياً. فمن دون تصوُّر واضح لما تسعى هذه الاستراتيجية إلى تحقيقه، سيكون من المستحيل الحكم على ما إذا كانت هذه المغامرة التاريخية تصحّح المسارَ، أم تكتفي بإعادة توزيع السلطة.
وحتى الآن، ظلّت إدارة ترامب غامضة بشأن هدفها النهائي، باستثناء تصريحات مقتضبة لوزير الخارجية ماركو روبيو تحدّث فيها عن السعي إلى خلق «عملية مصالحة» و«إعادة بناء المجتمع المدني» داخل فنزويلا.. لكن لا شكّ في أن ظهور الحريات السياسية على المدى القريب يجب أن يكون المعيار الحاسم لنجاح التحرك الأميركي في فنزويلا. لا يمكن أن يُتخذ استخدام رودريجيز كشخصية لتحقيق الاستقرار وتجنب الفوضى ذريعةً للحفاظ على الوضع الراهن.
وإذا أُريد لهذا النهج في البيت الأبيض أن يُؤخذ على محمل الجد، فيجب أن تحمل الأسابيع المقبلة تحسناً ملموساً في أكثر ممارسات النظام التشافيزي. وهذا يعني تخفيفاً حقيقياً للقمع المدني، بدءاً بالإفراج عن مئات السجناء السياسيين وغيرهم ممن احتُجزوا تعسفاً، بمَنْ فيهم رعايا أجانب طالما استُخدموا كورقة مساومة. وحتى الآن، لا تبدو المؤشرات مُبشّرة. فقد عادت جماعات «الكوليكتيفوس» سيئة السمعة وضباط الاستخبارات العسكرية إلى ترويع شوارع كاراكاس واعتقال الصحفيين فور سقوط مادورو، وقمع أي مظهر من مظاهر المعارضة.
وما لم تبدأ الحريات السياسية وحماية الحقوق الفردية بالظهور، بما في ذلك رفع الحظر السياسي وعودة القادة المنفيين، فسيكون من الصعب تجنّب الاستنتاج التالي: قد تكون واشنطن أكثر التزاماً بالاستيلاء على النفط لأغراض انتهازية، كجزء من رهاناتها الجيوسياسية الكبرى، من التزامها بهندسة انتقال ديمقراطي حقيقي. وعلى نطاق أوسع، أدّى عزل مادورو إلى زعزعة التوازن الهشّ بين الفصائل التي تعمل على نحوٍ شبيهٍ بعصابات الجريمة المنظمة منها كفاعلين سياسيين.
وتجد رودريجيز نفسَها الآن في موقف لا تُحسد عليه: فهي تحاول إعادةَ هذا التوازن داخل حركة ثورية تشعر بالخيانة، وفي الوقت نفسه تتلقى الأوامرَ من واشنطن التي تملك نفوذاً كبيراً عليها، وذلك في أعقاب تقارير، سواء كانت صحيحة أم لا، تفيد بأنها سهّلت تسليم مادورو للسلطة. قد يؤدي هذا الوضع بسهولة إلى صراع وجودي داخل النظام التشافيزي، لا سيما مع الفصيل المسيطر على الأجهزة الخشنة، بقيادة «ديوسدادو كابيلو»، الذي يُقال إن الولايات المتحدة قد وضعته بالفعل على قائمة أهدافها. قد تؤدي الانقسامات الداخلية أو تدخل أميركي عنيف آخر إلى تصعيد الصراع على السلطة، مما يفتح المجالَ أمام مَخرَج انتخابي، يُفضّل أن يكون في غضون عام، شريطة إجراء إصلاح سريع للمؤسسات الانتخابية لضمان نزاهة الاقتراع.
قد لا يكون هذا الترتيب الأمثلُ من الناحية المؤسسية، لكنه قد يُزيل أخيراً إحدى أكبر العقبات أمام الانتقال السياسي في فنزويلا: قبول النظام التشافيزي ضرورةَ التنازل عن السُّلطة، على الأرجح، مقابل العفو العام والاحتفاظ ببعض التمثيل السياسي، وهو حل وسط لطالما قاومته المعارضة. إن تقويض السيطرة على الجيش من شأنه أن يُسهّل هذا الانتقالَ في نهاية المطاف.
وبالطبع، قد تكون لدى ترامب معايير مختلفة للنجاح، بما في ذلك طرد عملاء القوى الأجنبية وجماعات حرب العصابات، فضلاً عن هدفه المعلن حول إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية المتهالكة، بمساعدة الشركات الأميركية.
لكن هذه الأهداف، مهما بلغت أهميتها، يجب اعتبارها ثانويةً بالقياس إلى الهدف المركزي: قيادة فنزويلا نحو نظام سياسي أكثر حريةً وعدلاً. فمن دون ذلك، ستفتقر الولايات المتحدة إلى المصداقية الأخلاقية التي تخوّلها اعتبار هذه العملية انتصاراً.
*كاتب متخصص في شؤون أميركا اللاتينية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشن»