تمثل إشكالية نزع سلاح حركة «حماس» و«حزب الله» أولويةً مهمةً لدى الحكومة الإسرائيلية، ورئيسها بنيامين نتنياهو بصفة خاصة، سواء أمام الجمهور الإسرائيلي أم على مستوى المنطقة، باعتبار ذلك أحد المحاور الرئيسة التي تتحرك فيها الحكومة الحالية، لتحقيق مكاسب عليا لإسرائيل وأمنها، ضمن رؤية تعتبر ذلك «قضية وجود وليس حدود». وهو أمر سيأخذ في الفترة المقبلة مساحاتٍ من التحرك والتعامل وفق إجراءات وتدابير انفرادية استثنائية.

الحكومة الإسرائيلية ماضية في النهج العسكري المفرط في استخدام القوة لإتمام مخطط النزع، وهو ما برز بوضوح طوال الفترة الماضية، من خلال استراتيجية التفاوض تحت النار سواء حيال «حزب الله»، أم مع قبول تل أبيب للانخراط في الخطة الأميركية وفق شروط إسرائيلية في المقام الأول، بصرف النظر عن دخول المرحلة الثانية من الخطة، ولو شكلياً، حيزَ التنفيذ، مما يؤكد أن إسرائيل ماضية في هذا النهج، كما جرى في مفاوضاتها مع لبنان تحت رعاية أميركية فرنسية.
 وفي حالة «حزب الله»، فالإشكالية تكمن في تعثر خطوات النزع جراء عدم قدرة الحكومة اللبنانية على إتمام ذلك، رغم الدعم الدولي لهذا المسار، وهو ما يعني أن «حزب الله» سيظل رافضاً لأي خطوة بهذا الاتجاه، متسلحاً بقوته في مواجهة «الاحتلال الإسرائيلي» غير القادر على الدخول مباشرةً على الخط مكتفياً بتوجيه الضربات العسكرية، وتوسيع دائرة الاستهداف خارج مناطق نفوذ الحزب، مما قد يؤدي إلى استهداف كامل الأراضي اللبنانية في الفترة المقبلة في حال استمر المشهد الراهن وتواصلت المخاوف المرتبطة بقوات اليونيفيل ومهامها.
 أما حالة حركة «حماس» فمختلفة، حيث لا توجد جهة رسمية مسؤولة عن النزع، بصرف النظر عن تشكل اللجنة الإدارية في القطاع، حيث لا توجد سلطة قادرة في ظل خطاب إعلامي وعسكري يركز على أنه لا نزع لسلاح الحركة ما دام الاحتلال قائماً ومستمراً، وأن ذلك سيتم فقط في حال الانسحاب الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية.
ومن ذلك تخلص إسرائيل إلى أن الحركة تشتري عنصرَ الوقت وتعمل في مساحات كبيرة للمراوغة، ولا تريد التفاوض الجاد، وستظل تتمسك بالعمل على الأرض، مما ينفي توجهها طواعيةً نحو اتخاذ إجراءات لنزع سلاحها. أما تشكيل القوة الدولية التي رأت إسرائيلُ أنها قد تكون الحل، فلن يتم في الظروف الحالية على الأقل، لاعتبارات متعلقة بعدم التوافق على تشكيل هذه القوة وتحديد مهامها والدول المنضوية فيها، مع العلم بأن الدول التي أبدت الرغبة في دخولها تراجعت، مما دفع نتنياهو للتأكيد على أن إسرائيل ستتولى نزع سلاح حركة «حماس» بالقوة، ومن خلال إجراءات وتدابير كبرى ستقدم عليها.
 وفي الحالتين، أي «حزب الله» و«حماس»، توجد قواسم مشتركة في التعامل الإسرائيلي، أهمها استمرارُ الدوران في دوائر متشابكة ومتفاعلة، دون وجود ضوابط للتحرك أو التعامل، وتعثر خطوات النزع بالنسبة لـ«حزب الله»، حيث لم تستطع الحكومة اللبنانية التعامل مع الحزب، وباتت الخيارات المطروحة محصورةً في دوائر مفرغة.

كما أن المشهد في غزة متعثر في ظل هيمنة «حماس» على المساحة التي تتواجد فيها، مع محاولات لإعادة البناء داخل الحركة، دون اكتراث للخيارات الأميركية أو الإسرائيلية، ما يؤكد أن الحركة لا تأخذ على محل الجد احتمالات استخدام إسرائيل القوة المفرطة مجدداً، وهو ما ستكون له تبعاته على أي خطوة قد تقدم على طرحها واشنطن، أو محاولة إعادة تدوير مواقفها بالبحث عن البديل من خلال احتمالية تعديل الخطة الأميركية لاحقاً أو طرح مسارات أخرى رغم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية رسمياً، ومن ذلك البدء بأعمال البناء في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، ما يعني استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه وعدم تحقيق أي تقدم، مع اتباع منهج القوة العسكرية على كل النطاقات الاستراتيجية بهدف فرض سياسة إسرائيل في العمل وفق رؤية انفرادية، ما دامت الأطراف الأخرى، سواء في معادلة غزة أم في الجنوب اللبناني أم في سوريا، غير متجاوبة مع المخطط الإسرائيلي، وتعمل في اتجاه معاكس، وهو أمر متوقع جداً.
 ولذلك فالانخراط في تفاصيل المرحلة الثانية من خطة ترامب حول غزة، واستئناف المفاوضات مع لبنان بوساطة أميركية فرنسية، والتوصل لاتفاق أمني مع الجانب السوري.. يعني بالنسبة لإسرائيل التفاوضَ الدائم تحت النار وليس إبرام تفاهمات ربما تأخذ وقتاً طويلاً دون جدوى لباقي الأطراف الأخرى. 

*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية