في الأشهر الأخيرة، جمع الرئيس دونالد ترامب أكبر حشدٍ بحري أميركي في منطقة الكاريبي منذ غزو بنما عام 1989. كانت القوات كثيرة جداً لدرجة لا تُبرِّر مجرد تفجير بعض قوارب يُشتبه في تهريبها للمخدرات، لكنها في الوقت نفسه ليست كافية لغزو فنزويلا، الدولة التي يبلغ عدد سكانها قرابة 30 مليون نسمة. والآن نعرف الغاية من تلك القوة البحرية: لقد كان حجمها مثالياً لتنفيذ غارة كوماندوز لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وهذا بالضبط ما نفّذته قوة «دلتا» التابعة للجيش الأميركي تحت جُنح الظلام، في عملية جريئة أظهرت مرةً أخرى لماذا تُعد قيادة العمليات الخاصة الأميركية ومجتمع الاستخبارات الأميركي الأفضل في العالم.
كان من الممكن بسهولة أن تسير غارة للقوات الخاصة الأميركية في عاصمة أجنبية كبيرة تعجُّ بمقاتلين معادين على نحوٍ كارثي، كما حدث في فشل «سقوط بلاك هوك» في الصومال عام 1993. تلك العملية التي ألحقت ضرراً سياسياً بالرئيس بيل كلينتون وأدت إلى سقوط وزير الدفاع «ليس أسبن». ولا بدّ أن قرار إعطاء الضوء الأخضر تطلّب أعصاباً من فولاذ لدى ترامب. وبما أن الغارة بدت وكأنها سارت على ما يرام، فقد تمكّن ترامب من الاحتفال بالنصر في مؤتمر صحفي اتسم بالإسهاب.
لم يكن مادورو زعيماً إرهابياً، ولم يُمثّل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، على الرغم من محاولات الإدارة وَسْمَه بأنه «إرهابي مخدرات». لكنه كان سلطوياً تورّط في الفساد وفي انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ولا ينبغي ذرف الدموع على احتمال مثوله أمام محكمة فيدرالية أميركية لمحاكمته على بعض أفعاله. ومع ذلك، تثير الغارة أسئلةً صعبةً ومقلقةً حول سبب تنفيذ العملية وما ستكون عواقبها.
تُجرى مقارنات مع غزو الرئيس رونالد ريجان لجرينادا عام 1983 وغزو الرئيس جورج بوش الأب لبنما عام 1989، حين أطاحت القوات الأميركية بحكام في أميركا اللاتينية. لكن الفارق الكبير هو أنه في الحالتين تولت القوات الأميركية السيطرة على البلاد بأكملها، ما أتاح انتقالاً ديمقراطياً.
أما في فنزويلا، فقد نفّذت القوات الأميركية غارة سريعة خاطفة. وكان ذلك بمثابة «قطع رأس النظام»، لا «تغيير النظام». ففي مؤتمره الصحفي في مار-إيه-لاجو، قال ترامب: «سنُدير البلاد إلى أن يتسنى لنا انتقال آمن وسليم وحكيم». لكن لا توجد أي مؤشرات على أن القوات الأميركية تستعد لاحتلال فنزويلا. ولو جرت محاولة كهذه، فقد تتحول بسهولة إلى كارثة، كما حدث في الغزو الأميركي للعراق، فضلاً عن أنها ستنتهك تعهدات ترامب المتكررة بعدم الانخراط في «بناء الدول».
لم يكن مادورو رجلاً واحداً يعمل منفرداً. لقد ترأس جهازاً واسعاً من القمع، يضمّ، من بين جهات أخرى، الجيش، والحرس الوطني، والشرطة الوطنية، وجهاز الاستخبارات، وعصابات كولومبية هي جيش التحرير الوطني. ولا تزال جميع هذه القوى قائمة بعد الغارة الأميركية. كما أن كثيراً من كبار مساعدي مادورو ما زالوا في مناصبهم، بمَنْ فيهم وزيرا الدفاع والداخلية، اللذان وُجِّهت إليهما اتهامات بالتورط في جرائمه المزعومة.
 ولا تبدو على هؤلاء أي إشارة إلى الاستعداد للتنازل عن السُّلطة للمعارضة الديمقراطية التي تقودها «ماريا كورينا ماتشادو»، التي تسلمت مؤخراً جائزةَ نوبل للسلام. أما «إدموندو جونزاليس»، الذي كان يُعتقد على نطاق واسع أنه فاز بانتخابات الرئاسة المزوّرة لعام 2024، فهو أيضاً خارج البلاد. وقد تحدّث ترامب بازدراء عن ماتشادو، وقال إن وزير الخارجية «ماركو روبيو» يجري محادثات مع نائبة الرئيس التي اختارها مادورو، ديلسي رودريجيز.
فما هي خطة اليوم التالي لسقوط مادورو؟ وهل تُترك منظومة مادورو قائمة مع قائد جديد أكثر امتثالاً؟ هذا ليس ما يريده الفنزويليون الذين صوّتوا لجونزاليس، كما يثير سؤالاً عن سبب تحرك ترامب من الأساس. فخلافاً للرئيس جورج دبليو بوش في العراق أو الرئيس باراك أوباما في ليبيا، لم يقدّم ترامب مبرراً يتعلق بتعزيز الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل ركّز على تواطؤ مادورو في تهريب المخدرات. لكن قبل شهر واحد فقط، أصدر ترامب عفواً عن «خوان أورلاندو هرنانديز»، الرئيس السابق لهندوراس، الذي حوكم وأُدين في محكمة أميركية بجرائم مماثلة تتعلق بتهريب المخدرات.
ومؤخراً، طرح ترامب مبرراً مختلفاً للتحرك، إذ كتب على وسائل التواصل الاجتماعي أنه يريد من فنزويلا أن تعيد إلى «الولايات المتحدة الأميركية كل النفط والأراضي والأصول الأخرى التي سرقتها منا سابقاً». وهذا ادعاء غير صحيح، فقد أمّمت فنزويلا حقولها النفطية عام 1976، وقد فعلت دول كثيرة الشيءَ نفسَه. وربما يوحي هذا الطرح بأن تركيز ترامب ليس على جلب الحرية إلى فنزويلا، بل على الحصول على احتياطياتها النفطية، وهي الأكبر في العالم.
وبالفعل، فقد تعهّد ترامب بعودة مزيد من شركات النفط الأميركية للعمل في فنزويلا. غير أن أي نظام فنزويلي جديد سيفقد شرعيتَه بسرعة إذا سمح بنهب الموارد الطبيعية للبلاد على يد الأميركيين.
وكما حدث مع جورج دبليو بوش بعد غزو العراق، تمتّع ترامب بلحظة «تم إنجاز المهمة». لكن إذا كان هناك درس واحد تعلمناه خلال ربع قرن الماضي، فهو أن إسقاط الزعماء المناوئين لأميركا أسهل بكثير من بناء مجتمعات مستقرة وآمنة بعد ذلك. وسيحكم التاريخ في نهاية المطاف على العملية العسكرية لترامب بناءً على مصير فنزويلا ما بعد مادورو. والولايات المتحدة، على الرغم مما قاله ترامب عن إدارة البلاد، لا تملك سوى نفوذ محدود لتحديد ذلك المصير.


*زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية
 
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لاينسج آند سينديكيشتن»