تشهد البيئة الإعلامية العربية خلال العقدين الأخيرين تحولاً بنيوياً عميقاً، لم يعد من الممكن تفسيره في إطار تراجع المهنية أو ضعف المعايير الأخلاقية فحسب؛ فالإشكالية أعمق وأخطر من ذلك بكثير. ما نواجهه اليوم هو تحوّل قطاع واسع من الإعلام إلى فاعل سياسي غير معلن، يعمل ضمن منظومات سردية موجّهة تستهدف الوعي العام، وتعيد تشكيل الإدراك الجمعي بما يخدم أجندات أيديولوجية وسياسية واقتصادية عابرة للحدود.

في هذا السياق، لم يعد الإعلام مرآة للحقيقة، بل تحوّل في كثير من تجلياته إلى أداة لإنتاج واقع بديل، في جوهره سردية منتقاة ومؤثرة ومُحمَّلة بدلالات مسبقة. وهذا التحول البنيوي جعل الإعلام ساحة مركزية من ساحات الصراع الحديثة، لا يقل تأثيرها عن أدوات القوة السياسية أو الاقتصادية، لأن التحكم في السردية يسبق - في كثير من الحالات - التحكم في القرار. فالدولة التي تُهزم في معركة الوعي، تُستنزف لاحقاً في مختلف ملفاتها، لأن السيطرة على السردية تعني التحكم في تعريف العدو والصديق، وتحديد ما يُدان وما يُبرَّر، وصياغة الموقف الأخلاقي للجمهور تجاه القضايا المصيرية.

وتتجلى هذه الظاهرة في ممارسات إعلامية يصعب تفسيرها بوصفها أخطاء مهنية عابرة، فعلى سبيل المثال، خلال معركة نهر البارد في لبنان، دخلت قافلة مساعدات إنسانية إماراتية إلى المخيم أمام عدسات وسائل الإعلام الدولية، وكانت تحمل علم دولة الإمارات بشكل واضح، غير أن بعض المنصات العربية اكتفت بالإشارة إلى وصول «مساعدات إنسانية عربية» من دون ذكر مصدرها أو الإقرار بالدور الإماراتي.

هذا السلوك لا ينفي الحدث، لكنه يفرغه من دلالته السياسية والأخلاقية، عبر تغييب الفاعل الإيجابي من الذاكرة العامة، وإعادة تدوير الوقائع بما يخدم سرديات مغايرة. وهنا تتجلى إحدى أكثر آليات التزييف المعاصر فاعلية: ليس الكذب الصريح، بل إعادة التأطير. فالتحكم في السياق، وتحديد من يُرى ومن يُغيَّب، ومن يُبرز ومن يُهمَّش، أدوات قادرة على إعادة توزيع الأدوار داخل المشهد الإقليمي، وصياغة صور ذهنية تخدم اصطفافات مسبقة، لا وفق منطق الحقيقة.

ويتعاظم أثر هذا النمط حين يتقاطع مع مشاريع الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المتطرفة، التي أدركت مبكراً أن الإعلام بات الساحة الأكثر تأثيراً في إعادة هندسة الوعي. فبدل السيطرة على الجغرافيا، تُخاض المعركة على المعنى؛ وبدل فرض القوة الصلبة، تُبنى القوة السردية. تُنتج روايات دائمة للمظلومية، ويُعاد تأطير العنف بوصفه خياراً اضطرارياً، ويُقلب المفهوم بين الدولة والفوضى، ليُقدَّم الاستقرار على أنه قيد، والانهيار على أنه تحرر.

ومع تطور البيئة الرقمية، انتقل التضليل من كونه ممارسة محدودة إلى منظومة متكاملة، تقوم على اقتصاد الانتباه الذي يكافئ الإثارة لا الحقيقة، وعلى خوارزميات تضخّم المحتوى الأكثر تطرفاً والتباساً. وفي هذا المناخ، تتكرر السرديات عبر آلاف الحسابات والمنصات، حتى تتحول من رأي إلى «إحساس عام»، ومن ادعاء إلى قناعة يصعب تفكيكها أو مساءلتها.

ولا يتمثل الأثر الأعمق لهذا التحول في انتشار المعلومات المضللة فحسب، بل في تآكل الثقة العامة بالإعلام ذاته. وحين تفقد المجتمعات ثقتها في مصادر المعرفة، لا تعود تبحث عن الحقيقة، بل عمَّا ينسجم مع هوياتها العاطفية أو مخاوفها الجمعية، ما يفتح الباب أمام الاستقطاب الحاد، والتعبئة الأيديولوجية، وتفكيك الهوية الوطنية، وبث النعرات الطائفية وتعميق الانقسام داخل المجتمعات العربية. ومع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتجه هذه الإشكالية إلى مستويات أكثر تعقيداً، إذ بات بالإمكان إنتاج محتوى مضلل على نطاق واسع، وتكييفه ثقافياً ولغوياً، وقياس أثره لحظياً، بما يهدد بظهور حالة من الشك المعمّم، حتى تجاه الحقائق الموثقة.

لهذا، لم تعد الدول تتعامل مع التضليل الإعلامي بوصفه أزمة مهنية أو أخلاقية فقط، بل باعتباره تهديداً مباشراً للأمن المعرفي والاستقرار المجتمعي. وتقوم المقاربات الحديثة على بناء مناعة معرفية قائمة على الوعي النقدي، وتنظيم الفضاء الرقمي، ومساءلة شبكات التلاعب المنظم، من دون المساس بحرية التعبير أو الانزلاق إلى أنماط رقابية تُفرغ المجال العام من حيويته.

وفي هذا الإطار، تبرز التجربة الإماراتية نموذجاً عقلانياً متقدماً في فهم وظيفة الإعلام ودوره، إذ يُنظر إليه بوصفه شريكاً في الاستقرار والتنمية، ومسؤولية سيادية وأخلاقية في آن واحد. رؤية تقوم على حماية الفضاء الرقمي، وتعزيز المهنية، وترسيخ خطاب إعلامي متزن، يدرك أن الوعي الصحيح أحد أعمدة الدولة المستقرة.

ختاماً، يمكن القول: إن معركة الإعلام اليوم هي معركة على تعريف الواقع ذاته. ومن يكسب هذه المعركة لا يفرض رواية عابرة، بل يرسم حدود الممكن والمستحيل في وعي الشعوب. والرهان الحقيقي لا يكمن في إسكات الآراء المضللة، بل في بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين الخبر والسردية، وبين الحقيقة والتوظيف، بما يحصّن المجتمعات ويعزز قدرتها على الصمود وصناعة مستقبلها بثقة واتزان.

*كاتب وباحث إماراتي