لم يعد الشرق الأوسط ساحة صراعات مفتوحة فقط، بل أصبح مختبراً قاسياً لفرز الدول من الكيانات، والقرار من الشعارات، والقوة الحقيقية من الضجيج. ما يجري اليوم ليس فوضى عابرة، بل مرحلة انتقالية حادة تُسقط الأوهام واحداً تلو الآخر، وتكشف من يملك أدوات البقاء، ومن يعيش على صدى خطابه.
وأول ما سقط في هذه المرحلة هو وهم «الحرب بالوكالة». لسنوات، اعتقدت أطراف عديدة أن بإمكانها توسيع نفوذها دون دفع الثمن مباشرة، عبر أذرع مسلحة وشعارات عابرة للحدود. النتيجة اليوم واضحة: الوكيل يُستنزف، يُحاصر، ثم يُترك وحيداً عند أول تسوية كبرى. لا انتصارات استراتيجية، ولا مكاسب سياسية دائمة، بل مجتمعات مدمَّرة، واقتصادات منهكة. وفي المقابل، تقدّمَ نموذجٌ آخر بهدوء: الدولة التي لا ترفع صوتها كثيراً، لكنها تُراكم القوة بصبر.
ودول اختارت تقليل الاشتباك، لا ضعفاً، بل وعياً بكلفة الصدام المفتوح. استثمرت في الاقتصاد، في إعادة تعريف الأمن، وفي بناء شبكة علاقات دولية تجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه. هذه الدول ولا تظهر في نشرات «الانتصارات»، لكنها تحضر بقوة على طاولات القرار.
وغزة ما بعد الحرب تكشف جوهر هذا التحول. الحديث عن «اليوم التالي» لا يدور حول من صمد عسكرياً فقط، بل حول من يملك المال، والشرعية الدولية، والقدرة على فرض شروط الإعمار والسياسة. القضية الفلسطينية لم تُدفن، لكنها أُعيدت صياغتها: من ساحة مواجهة مفتوحة إلى ملف سياسي تُدار تفاصيله في العواصم الكبرى. من يصر على تجاهل هذا التحول، سيبقى خارج التأثير مهما علا صوته. إيران، بدورها، تقف أمام مفترق صعب.
والتمدد الإقليمي لم يعد ضمانة قوة، بل بات عبئاً يتزامن مع ضغط خارجي متصاعد واحتقان داخلي غير مسبوق. والرسالة الدولية، وإن قيلت بلغة ناعمة أحياناً، حادّة في جوهرها: لا نفوذ مستدام بلا دولة مستقرة من الداخل.
وكلما طال الهروب إلى الأمام، ارتفعت كلفة العودة. وأما العالم العربي، فينقسم اليوم بوضوح لا لبس فيه.
معسكر يسعى إلى تثبيت الدولة، حتى لو اضطر إلى قرارات غير شعبوية، لأنه يدرك أن انهيار الدولة هو الهزيمة الحقيقية. ومعسكر آخر لا يزال أسير الخطاب العالي، يحمّل الخارج مسؤولية كل فشل، ويتجاهل أن أكبر أعدائه هو عجزه الداخلي.
عام 2026 لن يشهد حروباً كبرى تحسم المعارك بضربة واحدة، بل استنزافاً ذكياً طويل النفس. من يملك رؤية، ومؤسسات، وقدرة على إدارة القوة، سيتقدم ببطء وثبات.
ومن يراهن على الصراخ، سيكتشف أن الصوت العالي لا يوقف الانهيار. الخلاصة التي لا يريد كثيرون سماعها: في الشرق الأوسط اليوم، الانتصار ليس لمن يرفع رايته أكثر، بل لمن يحمي دولته عندما تتساقط الرايات.
*لواء ركن طيار متقاعد.