في عالمٍ يموج بالصراعات وتعدد الانتماءات، تبرز حقيقة أخلاقية كبرى تتجاوز الحدود والجغرافيا، حقيقة أن الإنسانية ليست ثوباً نفصله على مقاس من نحب، بل هي هواءٌ إما أن يتنفسه الجميع أو يختنق فيه الجميع. إن الإنسانية في جوهرها الأصيل هي «وحدة واحدة» لا تقبل القسمة. ففي اللحظة التي نبدأ فيها بتجزئة تعاملنا الأخلاقي بناءً على الهوية أو الدين أو اللغة، فنحن لا نُمارس الخير، بل نعلن وفاة الضمير لأن تجزئة الإنسانية هي اغتيالٌ للروح، وانحياز قاتل للفضيلة الحقة وتزييف لكافة التعاليم الإلهية والإنسانية والأخلاقية.
الإنسانية لا تتجزأ لأنها حين تُجزأ تموت. فعندما نضع شروطاً لاستحقاق الاحترام أو الرحمة، فإننا نحوّل القيمة الإنسانية من «حق فطري» إلى «منحة مشروطة». إن التمييز بين البشر على أساس الدين، أو العرق، أو المستوى الاجتماعي هو فضحٌ لزيف ادعاءاتنا. وكما يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في مبدأ الأمر المطلق: «تصرَّف بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان آخر كغاية دائماً، وليس كمجرد وسيلة».
فمن يجزئ الإنسانية يحوّل الآخرين إلى وسائل لخدمة أيديولوجيته أو قبيلته، ويفقد إيمانه بالجوهر الإنساني المشترك. إن الخير الموجَّه أيضاً هو شرٌّ مقنّع، وهناك مغالطة كبرى نقع فيها حين نظن أن الإحسان إلى الأقرباء والمعارف وحده يكفي لإثبات إنسانيتنا. الحقيقة أن الخير الموجَّه لفئة دون أخرى هو «شر ملثم»، لأنه يكرّس الانقسام، ويفضح رغبتنا في الظهور والحصول على المدح.
إن ميزان إنسانيتنا الحقيقي لا يظهر عندما نعامل أحباءنا بلطف -فهذا أمر تفرضه الطبيعة والعاطفة- بل يظهر بوضوح حين نعامل الغرباء، بنفس اللطف والإحسان والمودة.
يقول السيد المسيح في «الموعظة على الجبل» واضعاً الدستور الأسمى للحب غير المشروط: «لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك؟ وإن سلمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس الوثنيون أيضاً يفعلون ذلك؟» (متى 5: 46-47). لقد وضع الخالق سبحانه وتعالى النموذج الأسمى للإنسانية الشاملة في نواميس الكون. فالله العلي القدير لا يحجب ضوء شمسه عن الأشرار ليخص بها الأبرار، بل كما جاء في النص الإنجيلي: «فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين» (متى 5: 45)، ليعلمنا شمولية العطاء.
هذا الكرم الإلهي المطلق يتردد صداه أيضاً في القرآن الذي جعل كرامة الإنسان أصلاً سابقاً على أي تصنيف، حيث يقول تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (الإسراء: 70). التكريم هنا لكل «بني آدم» بلا قيد أو شرط، مما يوجب علينا معاملة الجميع بإنصاف ورحمة، مستحقين وغير مستحقين في نظرنا القاصر. حين تدعونا القيم الروحية لمساعدة الأرملة واليتيم والمحتاج، فهي لم تضع «بطاقة هوية» بجانبهم. إن مفهوم «القريب» في الفكر الإنساني الراقي هو كل إنسان يحتاج إليك، لأن الإنسانية هي «الكل» الذي لا يتجزأ. فإطعام الجائع الذي لا يصلي في محرابك، أو مساعدة الأرملة التي لا تنتمي لعرقك، هو الاختبار الحقيقي لإيمانك بشمولية الإنسانية. والخير الحقيقي هو الذي يقدمه الإنسان لمن لا يملك وسيلة لرد الجميل، ولمن لا يجمعه به سوى رابطة الطين والروح. يقول السيد المسيح: كَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ هكَذَا» (لو 6: 31-35).
إننا بحاجة اليوم إلى العودة لإنسانية الفطرة، تلك التي لا ترى في البشر أرقاماً أو تصنيفات، بل ترى فيهم «نفساً» واحدة. لن يتذوق العالم طعم السلام إلا إذا آمنا أن الوجع واحد، وأن الدموع لا لون لها، وأننا أخوة في نفس العائلة البشرية. فلتكن إنسانيتنا كاملة أو لا تكون، لأن الخير المجتزأ هو تشويه للجمال، والإنسانية المجزأة هي جثة هامدة لا روح فيها، ومن يرفض أن يعيش بميزان خير واحد مع الجميع، فإنه في الحقيقة يعيش في ظلام أنانيته، ويخدع نفسه ويخون إنسانيته، لأننا حين نجزئ الإنسانية نقتلها، وعندما نجزئ الخير نشوهه، وعندما نميّز بين الناس على أساس الدين أو العرق أو اللغة أو المستوى الاجتماعي فإننا نفضح زيف أنفسنا وكذب ادعاءاتنا، وهشاشة ما ندعي أننا نؤمن به.