تنمو الهوية الإماراتية في الوعي الجمعي كما تنمو الأشياء عميقة الجذور، بهدوء وثبات، مستندة إلى تاريخ طويل من التفاعل مع الإنسان والمكان والبيئة، وهذا التاريخ يتحرك في تفاصيل الحياة اليومية: في اللغة، وفي العادات، وفي القيم التي تنظم السلوك الاجتماعي وتمنحه معناه. ومع التأمل في هذه الهوية، ومع أصالتها، يظهر امتدادها الطبيعي أيضاً داخل فضاء خليجي واسع تشابكت فيه التجارب وتداخلت المسارات، وتكوّن فيه الإحساس بالمصير المشترك عبر قرون طويلة.
وهذا الامتداد الاجتماعي منح التراث الخليجي المشترك مكانة عميقة في تشكيل الهياكل الاجتماعية، فعملت العادات اليومية، وبروتوكولات المجالس، وقيم السنع وغيرها بصفتها منظومة تربوية طبيعية، تعزز التماسك المجتمعي، وتغرس الإحساس بالانتماء، وتبني جسور الثقة بين الأفراد والجماعات. وكذلك أسهمت الأسرة الممتدة، وروابط القرابة، والعلاقات العابرة للحدود الجغرافية أيضاً في تشكيل نسيج اجتماعي مرن، قادر على مواجهة التحولات المتسارعة من دون فقدان توازنه الداخلي.
وعلى المستوى السياسي ارتكزت التجربة الخليجية على شرعية اجتماعية وثقافية نابعة من هذا التراث المشترك، ويمكننا ملاحظة المجالس المفتوحة التي أسست لعلاقة قائمة على الاستماع والمشاركة، ورسخت مفاهيم الشورى والحوار والتوافق. وهذا الإرث انعكس على طبيعة الاستقرار الذي عرفته المنطقة، وعلى قدرتها على بناء أنظمة سياسية متماسكة تستمد قوتها من قربها من المجتمع، ومن انسجامها مع قيمه العميقة.
ومثلاً يبرز التراث المشترك جذراً عميقاً سبق السياسة ومهّد لها؛ فالتشابه في أنماط العيش، والقيم الاجتماعية، وثقافة المجالس، واللغة واللهجة، والشعر النبطي، وأخلاقيات الصحراء والبحر، صنع عبر الزمن وعياً متقارباً، ورؤية واحدة للإنسان والمجتمع والدولة، وهذا القرب الثقافي كوّن أرضية صلبة لتقارب المواقف، والتفاهم في الخيارات، والبناء المشترك في السياسة والاقتصاد والثقافة. ومن وجهة نظر تحليلية علمية، فإن التحالفات الاستراتيجية تنمو من هذا العمق الاجتماعي؛ فالقيم الموروثة المشتركة لا بد أن تنتج ثقة متبادلة، وتتحول الذاكرة المشتركة إلى شراكة واعية في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. وفي هذا الامتداد الطبيعي يظهر التراث المشترك قوةً ناعمة ترسّخ الاستقرار، وتعزز التكامل، وتمنح العلاقة بين البلدين طابعها الإنساني العميق قبل أن تمنحها صيغها الرسمية.
وثقافيّاً، شكّل التراث الخليجي مظلة جامعة للهوية في زمن عالمي سريع الإيقاع. وقد حملت الفنون الشعبية، من العرضة إلى الفجري، إلى السامري، لغة جسدية وصوتية مشتركة، تعبر عن الفرح، والعمل، والتكاتف، والانتماء. وعبّر الشعر النبطي بلهجاته المتقاربة عن وجدان واحد، وعن علاقة خاصة بالمكان، وبالقيم، وبالتجربة الإنسانية المشتركة. وهذه الفنون عاشت في قلب المجتمع، ورافقت مناسباته، وأسهمت في تشكيل ذائقته الجمالية.
وفي الأزياء والحِرف يظهر هذا الامتداد بوضوح؛ إذ يشكل البشت، والثوب، والغترة، لغة بصرية تعكس وحدة الانتماء، وتحمل رموز الوقار والهوية. أما السدو، والخوص، والفخار، فهي نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته، وتحولت مع الزمن إلى تعبير ثقافي واقتصادي في آنٍ واحد. وتفتح هذه الحرف اليوم آفاقاً جديدة للاستثمار، والسياحة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، وتربط الذاكرة بالمستقبل.
ويظهر أثر هذا التراث المشترك أيضاً بوضوح في الأبعاد الاقتصادية؛ فالمهرجانات التراثية، والسياحة الثقافية، والصناعات الإبداعية، التي تحولت إلى روافد تنموية حقيقية، تدعم التنويع الاقتصادي، وتخلق فرص عمل، وتعزز حضور الخليج عالمياً. وفي الوقت نفسه سهلت الروابط الاجتماعية والتاريخية مسارات التكامل الاقتصادي، وأسهمت في ترسيخ السوق الخليجية المشتركة، مستندة إلى أرضية ثقافية واجتماعية صلبة.
إن عراقة الجذور ووحدة المصير الخليجي تشكلان معاً مساراً إنسانيّاً متصلاً يحمل الذاكرة إلى الأمام، ويمنح التحولات معناها، ويجعل من التراث قوة حية في بناء المجتمعات، لا مجرد أثر محفوظ في الذاكرة.
*أستاذة علم الاجتماع، رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي الاجتماعي.