لم تعد المساحات الوسطى، في كثير من النقاشات العامة في عالمنا اليوم، قادرة على احتواء تدرّج المواقف ونضجها؛ فمع تصاعد الاستقطاب ينقسم المشهد إلى طرفين متنافرين لا يعترفان بالاختلاف، ولا يحتملان التردّد. ويُنظر إلى التمايز في الرأي بصفته خروجاً عن الصف، لا اجتهاداً في الفهم.
وفي هذا المناخ يبرز التباس خطِر بين نوعين من الإجماع: إجماع صحيّ يتشكّل عبر الحوار والوعي وتلاقي المصالح الوطنية المشتركة، فيكون مصدر قوة واستقرار، وإجماع آخر قسريّ يُفرض بالضغط الاجتماعي أو السياسي، فيفقد معناه، ويتحوّل إلى أداة لتقييد الفكر وتوجيه السلوك. ومع ترسّخ هذا النمط من الإجماع القسري، لا يعود التفكير المستقل مساحة حرّة للفهم والتأمّل، بل يتحوّل إلى عبء ثقيل يدفع صاحبه ثمنه عزلةً أو تشويهاً أو إقصاءً، وكأن القبول العام لم يعد ثمرة نقاش واقتناع، بل شرطاً سابقاً يُفرض على السلوك كما يُفرض على القناعة.
ومن هنا يمكن فهم التحوّل الأعمق في طبيعة الخطاب العام؛ إذ لم تعد البيئتان السياسية والإعلامية المحيطتان تتيحان للفرد ترف الفهم المتأنّي، أو التحليل العميق، بقدر ما تدفعانه -ضمنياً- إلى تصنيف نفسه سريعاً في إحدى الخانات المتصارعة، وإعلان انتمائه بصوت أعلى من صوته الداخلي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم تحوّل الزمن من زمن بناء المواقف عبر التأمّل والنقاش، إلى زمن تسويقها عبر الشعارات والصراخ، لتغدو الأفكار لا تُقاس بعمقها المعرفي أو صدقها، بل بقدرتها على الحشد الآني والاستقطاب العاطفي. وفي قلب هذا المناخ المشحون بالعواطف الجياشة والولاءات المتسرّعة، تتشكّل أخطر أنواع القوة على الإطلاق.
إنها قوة لا تُقاس بالعتاد العسكري، بل بقدرتها على فرض نمط واحد للتفكير، ورواية أُحادية للأحداث. وفي خضم هذا الاستقطاب يبرز مشهد لافت للنظر ومقلق في آنٍ واحد؛ وهو أن كثيرين ممن كانوا يتحدثون بنزاهة وعمق عن جوانب مشرقة، تحوّلوا فجأة -مع موجة الاستقطاب- إلى أصوات مختلفة تماماً، كأنهم غيّروا جلودهم الفكرية بين ليلة وضحاها. وهذا التحوّل الحاد في خطاب الأفراد لا يمكن فهمه بصفته مجرد تبدّل طبيعي في الآراء، ولا تفسيره بتغيّر المعطيات فقط، بل هو في جوهره أيضاً انعكاس مباشر لبيئة ضاغطة تُعيد تشكيل السلوك قبل أن تُعيد تشكيل القناعة، وتدفع الإنسان -بوعي أو من دون وعي- إلى الانصياع لما يبدو أنه الاتجاه الغالب.
وعند هذه النقطة الحرجة، حيث تتوقّف المجتمعات عن السؤال والاستفهام، وتبدأ بترديد ما يُقال لها كأنه حقائق مُطلقة، تفقد السياسة جوهرها ومعناها الأصيل بصفتها فناً رفيعاً لإدارة المصالح وتوازنات القوى، وتتحول إلى مسرح استعراضي للمواقف الجاهزة والانفعالات المعلبة. وحين يحدث هذا التحول الخطِر لا تكون الأخطاء الكبرى التي ترتكبها الأمم نتيجة سوء تقدير أو نقص في المعلومات، بل تصبح النتيجة الحتمية لغياب التفكير نفسه من معادلة القرار.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الحاسمة يُعاد تعريف مفهوم القوة من جذوره؛ فالقوة الحقيقية لا تكمن في سرعة الاصطفاف خلف هذا الطرف أو ذاك، بل في القدرة النادرة على الصمود الذهني والثبات الفكري أمام موجات الاستقطاب العاتية. ولا تتحقق برفع الصوت فوق كل الأصوات، بل في خفضه بهدوء وثقة بما يكفي لسماع ذلك الصوت الداخلي الخافت؛ صوت الحكمة، وما لا تقوله ضوضاء المعركة من تفاصيل مهمة.
ومن هذه الزاوية العميقة نفهم لماذا اختارت بعض الدول أن تحافظ على استقلال فكرها وهدوئها، لا لأنها بعيدة عن الحدث، بل لأنها أدركت أن أخطر ما يمكن خسارته هو استقلال القرار الوطني، وقدرة الدولة على قراءة مصالحها بعيداً عن عدوى الانفعال الجماعي. ولا شك في أن الحفاظ على مساحة للتفكير الحر والنقدي هو في جوهره فعل سيادي، والتمسك بالعقلانية في زمن الاستفزاز هو قمة النضج السياسي.
ولهذا كلّه ينبغي ألا ننظر إلى القوة بصفتها تراكماً للأدوات أو تصعيداً في الوسائل فقط، بقدر ما ينبغي فهمها بصفتها قدرة على صون الوعي من التآكل، وحماية التفكير المستقل من التحوّل إلى استجابة آلية للضغط والانفعال؛ فالمواجهة الأخطر في هذا العصر لا تجري في الميادين المكشوفة، بل في مجال أعمق وأكثر حساسية: مجال الوعي. وليس بالضرورة أن يكون الناجح فيها هو الأعلى صوتاً أو الأوسع حضوراً، بل الأقدر على الحفاظ على صفاء التفكير حين يصبح الاصطفاف أسهل من الفهم.
*الأمين العام لمجلس التوازن للتمكين الدفاعي.