ما هي الأصولية؟ وما المراد عند إطلاقها في الفكر الأوروبي الحديث؟ وهل يمكن أن تحمل نفس المعنى عند إطلاقها في السياق الثقافي العربي أو المسلم؟ أم أنها مصطلح ومفهومٌ غربيٌ خرج في سياقه الحضاري للتعبير عن ظواهر جديدةٍ؟ هذه أسئلة مستحقةٌ والإجابة عنها تبيّن كثيراً من اللغط المقصود الذي يثار حولها من حينٍ لآخر.

الأصولية كمفهومٍ حديثٍ نسبياً، هي مفهومٌ فكريٌ وفلسفيٌ نشأ في السياق الحضاري الغربي للتعبير عن بضعة معانٍ ترمز جميعها للغلو والتشدد والتعصب وربما العنصرية، سواء أكان ذلك في إطارٍ دينيٍ أم قوميٍ أم أيديولوجيٍ أم غيرها.. فهي تشكّل منظومةً فكريةً تعتمد على وهم امتلاك الحقيقة المطلقة، أو القطعية في كل المسائل، ومن ثمّ الاصطفائية التي تميّزها عن البشر.

الأصوليات الأوروبية لم تكن كلها دينيةً، بل كانت فيها النازية والفاشية التي تمثل الأصوليةَ العرقيةَ، وكانت فيها الأصولية الشيوعية، وكانت فيها الأصولية المسيحية، وكذلك اليهودية.

والأصولية بشتى تشكلاتها إنما تعبّر عن دعوى امتلاك الحقيقة المطلقة في كل المجالات ودعوى الاصطفاء أو التميّز عن الآخرين، أياً كانت تلك الحقيقة وأياً كان أولئك الآخرون، وهي ترى أن النموذج الأمثل والأفضل قد تشكّل واكتمل في الماضي.

في بدايات استخدام مفهوم الأصولية في العالم العربي إعلامياً، تبنّت بعض الصحف العربية، التي كانت توصف بـ«بان عرب»، مثل صحيفتي «الشرق الأوسط» و«الحياة»، هذا المصطلحَ لتوصيف حركات الإسلام السياسي، فقامت قائمة تلك الحركات الأصولية في رفض المصطلح والتشغيب عليه، فقالوا مرةً بأن مصطلح «الأصولية» يعني رفض العودة إلى أصول الإسلام، وتبيّن سريعاً أن هذا قولٌ متهافتٌ ولا يصدقه أحدٌ، فالمسلمون يستخدمون المصطلحَ والمفهوم للتعبير عن فئةٍ من المسلمين وليس عن الإسلام كدينٍ بأي حالٍ من الأحوال.

وقامت «الأصولية» الإسلامية بالتفتيش عن معنى آخر للتشغيب على مفهوم «الأصولية» الذي يمكن من خلاله كشف ألاعيبِ جماعاتِ وتياراتِ ورموزِ وخطابِ «الإسلام السياسي»، فقالوا إن المعروف في التراث الإسلامي هو أن المقصود بـ«الأصولية» هو علم أصول الفقه أو نحوه من العلوم، وهذا تمحلٌ شديد الافتضاح والتفاهة بالمقياس العلمي.

 

والعجيب هو أن بعض صحافة التنوير العربي، التي كانت تتبنى هذا المفهوم وتضع له ملاحق وملفاتٍ معمقةٍ من باب نقده وتعريته، باتت في مراحل متأخرةٍ تنشر دراساتٍ موسعةٍ في رفضه! والمفارقة أنها كانت تنشر تلك الدراسات الرافضة في الوقت، الذي كانت تحافظ فيه على ملاحقها وملفاتها في نقده، في تناقضٍ صارخٍ غريب. والأصولية مفهومٌ فكريٌ وفلسفيٌ للتعبير عن ظاهرةٍ جديرةٍ بالرصد والفهم، وهي ذات سماتٍ ومبادئ وتشكلاتٍ تختلف باختلاف السياق الذي تعمل فيه، سواء أكان دينياً أم عرقياً أم أيديولوجياً، أم غيرها من السياقات.

في عالمنا العربي، قادت التيارات الأصولية رفضاً قاطعاً لهذا المفهوم، فقد رفضته الأصولية القومية، والأصولية الشيوعية واليسارية، ومن بعدها رفضته الأصولية الإسلاموية، وهذه الأخيرة هي التي مازالت تتبنى رفضَ هذا المفهوم وتقود محاولات تشويهه واتهامه بأنه إنما يهاجم دين «الإسلام» نفسه، وهذا دفعٌ بالصدر دون شكٍ، فمَن يطرحون هذا المفهوم في دراساتهم وتحليلاتهم وفلسفاتهم وفكرهم ونقدهم مسلمون، ولكنهم ليسوا أصوليين.

أخيراً، فالغالبية العظمى من المفكرين والباحثين والكتّاب العرب الذين استخدموا مصطلحَ ومفهوم «الأصولية» كانوا يعنون به ظاهرة «الإسلام السياسي» أو «الإسلام الإرهابي» أو «الإسلام المتطرف»، ولم يدر في ذهن أكثرهم أن المقصود هو دين الإسلام نفسه، ولكنه الفجور في الخصومة الذي يدفع البعضَ لاستخدام الدين المقدس كأداةٍ للدفاع عن جماعاتٍ أصوليةٍ!

*كاتب سعودي