في العصر الرقمي، تُقاس قوة الدول بمَنْ يملك مفاتيح التكنولوجيا التي تُشغّل الاقتصاد. الرقائق ومعادنها وطاقة تشغيلها وبنية الحوسبة ترسم حدود النفوذ وتحسم من يضع الشروط. مَنْ يشترِ المخرجات فقط يبقَ رهيناً لتقلبات السوق والقيود وتبدّل السياسة. لذلك جاء الانضمام الرسمي إلى «باكس سيليكا» خطوة تُدخل الإمارات إلى قلب صناعة القواعد ضمن حساب واضح للسيادة الاقتصادية وحماية القرار الوطني.
ومَنْ يتأخر عن هذه السلسلة يجد نفسه في موقع المستهلك الذي ينتظر. ما يلفت في هذه الخطوة أنها تنسجم مع قاعدة إماراتية ثابتة، تنويع الشركاء مع الحفاظ على استقلال القرار. أبوظبي لا تتعامل مع التحالفات التقنية كإعلانات نوايا، بل كترتيبات ترفع قدرتها على الوصول إلى مفاتيح الاقتصاد الجديد، وتمنحها موقعاً مؤثراً في سلاسل الإمداد التي ستحدِّد مكاسب الدول في العقد المقبل. وفي الوقت نفسه، يبقى هذا الخيار جزءاً من نموذج إماراتي يوازن بين الانخراط والمرونة، ويُحسن توزيع المخاطر عبر تعدد المنصات والخيارات، بحيث تبقى المصلحة الوطنية هي المرجع، بعيداً عن الاستقطاب وحسابات اللحظة. القرار الاستراتيجي المستقل في التجربة الإماراتية يظهر في طريقة اختيار الشراكات وكيفية إدارتها. الاستقلال هنا يعني أن الدولة تدخل أي ترتيب وهي تعرف ما الذي تريد تحقيقه وما الذي ستضيفه، ثم تُحوّل ذلك إلى مكاسب ملموسة للاقتصاد الوطني. لذلك لا تُقفل خياراتها في مسار واحد، ولا تسمح أن يصبح الوصول إلى الرقائق أو البيانات أو الطاقة أداة ضغط تُدار من خارج حساباتها.
الاستقلال هو أن تبقى المبادرة بيد الدولة، وأن تظل خياراتها مفتوحة، وأن تُبنى علاقتها مع القوى الكبرى على المصالح الواضحة والالتزامات المتبادلة.
و«باكس سيليكا» يُقدَّم كاتفاق أمن اقتصادي للعصر الرقمي. هو ترتيب يربط الحوسبة المتقدمة بأشباه الموصلات وبسلسلة الإمداد التي تغذّي هذا الاقتصاد من المعادن إلى التصنيع ثم النقل والتخزين ومراكز البيانات. فكرته حماية «الشرايين» التي تعتمد عليها هذه المنظومة كي لا تتحول أي حلقة إلى عنق زجاجة يعطّل الاستثمار ويقيّد القرار.
ومن هنا يأتي الدور الإماراتي من زاوية عملية تتصل بالطاقة التي تشغّل الحوسبة، والموانئ واللوجستيات التي تضمن تدفق الإمداد والقدرة التمويلية التي تحافظ على استمرارية المشاريع.
ولماذا تبدو الإمارات مناسبة لهذا النوع من الترتيبات؟ لأنها تملك مقومات صلبة يحتاجها اقتصاد التكنولوجيا المتقدمة، ولديها صناديق سيادية من بين الأكبر عالمياً بقدرة تمويلية ضخمة تتيح تنفيذ مشاريع مراكز البيانات والبنية المصاحبة لها بسرعة وكفاءة، ولديها طاقة موثوقة تضمن تشغيل هذه المنظومة على مدار الساعة بثبات. كما تمتلك شبكة موانئ وخدمات لوجستية تُبقي تدفق الإمداد مفتوحاً وتُقلّل كلفة التعطيل. وعندما تجتمع هذه العناصر في دولة واحدة، يصبح الانخراط في «باكس سيليكا» خطوة محسوبة تعكس موقع الإمارات ضمن هندسة الاقتصاد التقني الذي ستتحدد على أساسه مكاسب الدول في العقد المقبل.
كثير من الحملات المُمنهجة التي تستهدف الإمارات ليست خلافاً على التفاصيل، بقدر ما هي انزعاج من نموذج يصرّ على أن تُدار خياراته من داخل حساباته الوطنية. ومن هذه الزاوية، لا تعارض بين شراكة تقودها واشنطن في ملف تقني وبين الاستقلال الاستراتيجي، لأن الاستقلال هنا يعني أن تدخل الإمارات هذا الإطار وهي ممسكة بحساباتها، لا أن تترك سلسلة الإمداد خارج أولوياتها ثم تُفاجأ بأن الوصول إلى مقومات الاقتصاد التقني أصبح خاضعاً لقواعد ومحددات لا تحكمها السوق وحدها.
وفي اقتصاد التكنولوجيا المتقدمة، تتحرك الإمارات بعقل الاستثمار طويل الأمد. شراكة تُنتج قيمة وتُحصّن الاستثمارات الكبيرة. والنتيجة أن الدولة تكون بين مَنْ يضعون المعايير، لا بين مَن ينتظرونها. *كاتب إماراتي