انطلقت في أبوظبي جولة جديدة من المباحثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأميركية، بعد الجولة الأولى التي عُقدت قبل أيام. عودة الأطراف إلى المكان نفسه تعني أن قناة الحوار ما زالت مفتوحة، وأن هناك قراراً باستكمال ما بدأ، بدل ترك المسار يتوقف عند جولة واحدة. 
زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى موسكو جاءت بالتوازي مع جولة أبوظبي، لتؤكد أن الإمارات تتحرك على خطين متكاملين: تستضيف المباحثات وتوفّر لها بيئة عمل هادئة، وفي الوقت نفسه تُبقي التواصل المباشر قائماً مع العواصم المؤثّرة لضمان استمرار المسار. وزيارة موسكو امتداد لعلاقة قائمة على الشراكة والمصالح والاستقرار، وتمنح الدبلوماسية الإماراتية مساحة حركة أوسع في ملف مُعقَّد.
الأبرز في الدور الإماراتي، خلال الأزمة الأوكرانية، هو المسار الإنساني الذي صنع رصيداً من المصداقية لدى موسكو وكييف معاً. حتى يناير 2026 أتمّت الإمارات 17 عملية وساطة لتبادل الأسرى، وأُفرج بوساطتها عن أكثر من 4641 أسيراً من الجانبين. هذه أرقام تُترجم معنى الوسيط الموثوق، لأنها تقوم على إدارة ملفات حسّاسة، وتنسيق مع طرفين متحاربين، وضمان تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه على الأرض. لذلك تتحرك أبوظبي سياسياً وهي تستند إلى سجلٍّ عمليٍّ يمنح مبادراتها وزناً.
امتداد هذا الدور الإنساني ظهر سريعاً في المسار السياسي. الجولة الحالية في أبوظبي جاءت بعد جولة أولى سابقة، وصف الجولة الأولى بالبنّاءة من أكثر من طرف كان كافياً لفتح الباب أمام استكمال النقاش، خصوصاً مع حضور الوسيط الأميركي الذي يدفع باتجاه نقاط قابلة للتقدم. وجود الولايات المتحدة ضمن هذا المسار في أبوظبي يوضِّح أن واشنطن لا تتعامل مع المكان كمجرد موقع للاجتماع، بل كمسار يمكن مواصلة العمل من خلاله.
العلاقة مع موسكو تمنح هذا المسار بُعداً إضافياً. روسيا لاعب رئيسي في معادلات الأمن والطاقة، وأي حديث جاد عن خفض التصعيد في أوروبا يحتاج تواصلاً مباشراً معها. وفي الوقت نفسه، علاقات الإمارات مع أوكرانيا ومع الولايات المتحدة تمنحها مساحة حركة لا تتوفر لكثيرين. بهذه القراءة تُفهم الجولة والزيارة معاً ضمن مسار واحد بأدوات مختلفة، إنساني وسياسي واقتصادي.
العلاقات الإماراتية الروسية تعمّقت خلال العقد الأخير، ومعها توسّعت حركة التجارة والاستثمار وازداد حضور الشركات الروسية في السوق الإماراتية، وفي المقابل رسّخت الإمارات حضورها كشريك استثماري داخل روسيا. وهي علاقة تُدار بمنطق المصالح الذي يُبقي قنوات التواصل مفتوحة، لتصبح قناة تواصل مستقرة تكمّل علاقات الإمارات مع كييف وواشنطن. ولهذا يصبح الدور الإماراتي أكثر فاعلية في الملف الأوكراني، لأن الوسيط يحتاج ثقة عند الأطراف وقدرة على الوصول المباشر عندما يتطلب المسار السياسي تواصلاً سريعاً وترتيب خطوات.
أبوظبي في هذه المباحثات لها دلالة خاصة، واختيارها يعكس حاجة الأطراف إلى منصة تفاوض تمنح المفاوضين مساحة هادئة للتعامل مع التفاصيل الحساسة. وما يفسّر تكرار اختيار الإمارات أن الاجتماع هنا لا يتحوّل إلى رسالة سياسية مسبقة، ولا يُقرأ على أنه موقف لصالح طرف ضد آخر. هو مسار يضمن استمرار الحوار والعمل على النقاط الممكنة، حتى حين تكون المسافة بين المواقف كبيرة.
الرهان في هذا الملف ليس على إعلان اختراق سريع، بل على إبقاء مسار التفاوض قائماً. استمرار الجولات يمنح الأطراف مساحة لمراجعة التفاصيل وتثبيت ما يمكن تثبيته، ويقلّل فرص سوء التقدير. ويظل المسار الإنساني جزءاً مهماً لأنه يقدّم نتائج ملموسة ويعزّز الثقة اللازمة للتفاوض. وبهذه المقاربة تتحرك الإمارات في الملف الأوكراني، منصة تستضيف، وقنوات تواصل تضمن الاستمرار، ورصيد موثوقية يدفع المسار إلى الأمام. 
كاتب إماراتي