يأتي انطلاق النسخة الثانية من مهرجان أبوظبي للشعر في مركز «أدنيك» أبوظبي، خلال الفترة من 9 إلى 11 فبراير، تحت رعاية سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ليعكس مساراً ثقافياً يتجاوز حدود الاحتفاء الموسمي بالشعر إلى ترسيخ مكانته كأحد المكونات الحيوية في مشروع ثقافي مؤسسي واسع الأفق، تتكامل فيه الرؤية مع التخطيط طويل المدى، ويُنظر فيه إلى الإبداع بوصفه استثماراً في الوعي والهوية والإنسان.
وفي الواقع، فإن تصميم برنامج مهرجان الشعر في دورته الثانية يعكس وعياً شاملاً بضرورات تعميق الأثر الثقافي، وهو ما يبدو جلياً في تنوّع الفعاليات والفضاءات التفاعلية التي تفسح المجال أمام أصوات متعددة وخبرات متباينة، بما يعزز فكرة أن الشعر مساحة جامعة لا تقف عند حدود جغرافية أو أسلوبية، وأن الاستثمار في الإبداع لا يقتصر على الأسماء المعروفة، بل يمتد ليشمل الطاقات الصاعدة التي تمثل رصيد المستقبل.
ومن اللافت للنظر أن المهرجان يتضمَّن برنامجاً غنياً ومتنوعاً، يضم عدداً من الأقسام والفضاءات التفاعلية، كما يُسلِّط الضوء على أبرز الشعراء ومنجزاتهم، والبيئة الشِّعرية الإماراتية، بما يسهم في تبادل الخبرات والمعارف بين الخبراء والمتخصصين في مجال الشعر بشقَّيه الفصيح والنبطي، ليؤكد أن الشعر لم يعُد نشاطاً نخبوياً محدود التأثير، بل أصبح جزءاً من منظومة ثقافية متماسكة تسعى إلى صون التراث الأدبي، وتجديد أدواته، وربطه بإيقاع الحياة المعاصرة ومتطلباتها المتغيرة.
ويتقاطع هذا التوجه مع استراتيجية أبوظبي الثقافية التي تتعامل مع الموروث بوصفه مادة حيّة قابلة للتطوير، وتسعى إلى بناء بيئة حاضنة للمواهب، بما يعكس ثراء المشهد الشعري وتعدّد مساراته. وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتبدّل أنماط استهلاك المحتوى، وما تفرضه من تحديات على اللغة العربية وأشكال التعبير الكلاسيكية، يكتسب المهرجان أهمية مضاعفة بوصفه محاولة واعية لإعادة وضع الشعر في صدارة النقاش الثقافي، وتأكيد قدرته على التفاعل مع الواقع المعاصر دون أن يفقد عمقه الجمالي أو قيمته الرمزية، ما يجعل هذا المهرجان ليس مجرد فعالية احتفالية فحسب، بل كمنصة فكرية وثقافية تتيح إعادة اكتشاف الشعر بوصفه لغة قادرة على ملامسة الوجدان الجمعي، والتعبير عن التحولات الاجتماعية والإنسانية.
وتتجلى رؤية المهرجان على وجه أوضح في تركيزه على استقطاب فئات جديدة، ولا سيما الشباب والناشئة، ما يعكس إدراكاً مؤسسياً بأهمية توسيع الإنتاج الشعري، وبأن تحقيق استدامة الموروث الثقافي والأدبي تكون من خلال إعادة تقديمه بلغة معاصرة وأساليب جذابة قادرة على مخاطبة الأجيال المقبلة، بما يضمن استمراريته في سياق اجتماعي سريع التحول.
كما تستند هذه المُقاربة إلى تجربة عملية ناجحة، إذ أظهرت الدورة الأولى من المهرجان قدرة واضحة على جذب جمهور واسع، بمشاركة أكثر من ألف شاعر وأديب وباحث من داخل الدولة وخارجها، واستقطاب عشرات الآلاف من الزوار، وهي أرقام تكتسب قيمتها الحقيقية من دلالتها على وجود طلب فعلي على الفعاليات الثقافية النوعية، وعلى استعداد الجمهور للتفاعل مع مبادرات جادة تتجاوز الطابع الترفيهي السريع.
ومن المتوقع أن تبني الدورة الثانية على هذا الزخم، ليس فقط من حيث الأرقام، بل من حيث تعميق الأثر الثقافي، وتوسيع شبكة الشراكات، وتعزيز حضور أبوظبي مركزاً إقليمياً فاعلاً في صناعة المشهد الشعري العربي.
مما لا شك فيه أن مهرجان أبوظبي للشعر يقدّم نموذجاً لكيفية توظيف الفعل الثقافي في خدمة مشروع مجتمعي أشمل، يرى في الشعر رافعة للهوية، ومساحة للحوار، وأداة ناعمة لبناء جسور التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل. ومن خلال هذا المسار، تؤكد أبوظبي أن الاستثمار في الثقافة والأدب ليس ترفاً بقدر ما هو خيار استراتيجي طويل الأمد، تُبنى عليه مجتمعات واثقة بذاتها، قادرة على صون تراثها وتجديده، وتحويله إلى طاقة إبداعية متجددة، تسهم في بناء بيئة ثقافية متكاملة.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.