تأخذ دولة الإمارات العربية المتحدة على عاتقها مسؤولية تاريخية لصياغة مشهد عالمي خالٍ من الكراهية والعنف، وتزامناً مع «اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف» الذي يصادف الثاني عشر من فبراير من كل عام، تسعى الإمارات إلى تطوير دورها باتجاه المساهمة في صياغة «عقد اجتماعي عالمي» جديد، يضع الوقاية الفكرية والتحصين الرقمي في قمة أولوياته. تستند فلسفة الإمارات لمكافحة التطرف إلى فهمه كظاهرة ناتجة عن خلل فكري واجتماعي، ما يستلزم معالجة شاملة تبدأ بالتعليم والتربية على القيم الإنسانية، وإقامة شراكات إقليمية ودولية لتعزيز تبادل الخبرات والتعاون متعدد الأطراف، بهدف بناء مجتمعات واعية، متماسكة، وقادرة على مواجهة المخاطر الفكرية والاجتماعية المرتبطة بالتطرف العنيف. وتتجلّى قوة النموذج الإماراتي في قدرته على مأسسة قيم التسامح والاعتدال، ونقلها من إطار الشعارات إلى منظومة عمل يومية فاعلة.
وقد انتقلت المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها مركز «هداية»، إلى مرحلة العمل الوقائي القائم على الاستشراف المبكر، حيث يُركّز اليوم على تطوير برامج تدريبية عالمية، تستهدف بناء قدرات المجتمعات المحلية في مناطق النزاع، وتمكين القادة الدينيين والاجتماعيين من أدوات تحليل الخطاب المتطرف وتفكيكه قبل أن يتطور إلى سلوك عنيف. كما يواصل مركز «صواب»، دوره كأكبر منصّة تفاعلية في العالم لمواجهة الدعاية الإرهابية المضلّلة عبر الفضاء الرقمي، مستخدماً لغة العصر ومنصات التواصل الاجتماعي لتفنيد الادعاءات المتطرفة ونشر الواقعية التي تعزّز التماسك المجتمعي.
ولا تفصل الاستراتيجية الوطنية لدولة الإمارات لمواجهة التطرف بين الأمن الفكري والتعليم، إذ ترى أن المدرسة هي المختبر الأول لصناعة السلام. ولذلك، تم التوسع في تدريس برنامج التربية الأخلاقية الذي أطلقته الدولة ليصبح نموذجاً عالمياً، حيث يركّز على تعليم الأجيال الناشئة قيم التعددية الثقافية، واحترام الآخر، ومهارات التفكير النقدي التي تساعد الطالب على تمييز السموم الفكرية التي تُبث عبر شبكة الإنترنت. كما تلعب المؤسسات الأكاديمية، مثل جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، دوراً محورياً في إعداد جيل من الباحثين والعلماء القادرين على تقديم قراءات معاصرة وفلسفية رصينة تواجه الانغلاق الفكري وتُعيد الاعتبار للقيم الإنسانية المشتركة.
ودولياً، رسّخت الإمارات مكانتها حلقة وصل أساسية في منظومة الأمن والسلم الدوليين، من خلال دعمها اللامحدود لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، والمشاركة الفاعلة في التحالف العالمي ضد «داعش». ولم تكتفِ الإمارات بالجانب الأمني، بل ساهمت في تأسيس «المجلس العالمي للتسامح والسلام»، الذي يعمل تحت مظلته برلمانيون ومفكرون من كافة أنحاء العالم لصياغة تشريعات تمنع التمييز وتُجرِّم التحريض. وفي سياق متصل، يبرز «بيت العائلة الإبراهيمية» في أبوظبي كمنجز حضاري يجمع بين كنيسة ومسجد وكنيس في مساحة واحدة، مرسلًا رسالة بصرية وعملية للعالم بأن التعايش هو الحقيقة الممكنة.
وضمن جهود الإمارات الأخرى البارزة في هذا المجال، يلعب «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة» دوراً جوهرياً من خلال مبادراته المتعددة، حيث نجح في تحويل «وثيقة الأخوّة الإنسانية» التاريخية إلى برامج عمل ميدانية في أفريقيا وآسيا، تهدف إلى إخماد الصراعات الطائفية وتعزيز قيم المواطنة الشاملة. كما تبرز جهود «مجلس حكماء المسلمين» في تنظيم قوافل السلام الدولية التي تجوب العالم لنشر ثقافة الحوار ودرء مفاسد التطرف عن المجتمعات الهشّة.
ويرتبط التزام الإمارات بمنع التطرف العنيف أيضاً بجهود الدولة في مجال المساعدات الإنسانية والتنمية، فالإمارات تدرك أن الفقر والجهل هما التربة الخصبة التي ينمو فيها الإرهاب. لذا، توجِّه جزءاً كبيراً من استثماراتها الخارجية نحو دعم المشاريع التعليمية والتقنية في الدول النامية.
في دولة الإمارات، إحياء اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف، يمثّل احتفاءً بانتصار العقل على الغوغائية، والسلام على العنف. وهذه هي المسيرة التي بدأت مع تأسيس دولة الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971، وتستمر اليوم بكل زخم، لتؤكد للعالم أن مواجهة التطرف التزام أخلاقي وحضاري دائم، يهدف إلى توريث الأجيال القادمة عالماً يسوده الأمان، وتجمعه قيم الإنسانية، وتُطوى فيه صفحات الكراهية إلى الأبد.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.