بصفتي قائداً أعلى سابقاً لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لم يخطر ببالي قط فكرة انسحاب الولايات المتحدة من أهم تحالف أمني في العالم. لكن أزمة سيادة جرينلاند التي شهدناها خلال الأسبوعين الماضيين دفعتني للتفكير ملياً في شكل الناتو من دون أهم أعضائه. تأسّس الناتو من رماد الحرب العالمية الثانية على يد 12 دولة، 10 منها أوروبية و2 من أميركا الشمالية. وقد قال اللورد إيزماي، أول أمين عام للحلف، عبارته الشهيرة: «إن الناتو وُجد ليمنع الروس من دخول أوروبا، ويبقي الأميركيين داخلها، ويحد من نفوذ الألمان».
لقد تنبأ بتصاعد الحرب الباردة، والتهديد الذي يمثله الاتحاد السوفييتي لأوروبا الغربية، وخطر ألمانيا الجامحة. كما أدرك أن الولايات المتحدة قد تكرر خطأها الذي ارتكبته بعد الحرب العالمية الأولى: الانسحاب ببساطة من القارة بعد انتهاء القتال. منذ عام 1949 وحتى اليوم، التزم الحلف إلى حد كبير بأهداف «إيزماي»: عبر الحرب الباردة، وانهيار الشيوعية وإعادة توحيد ألمانيا، والخلافات التي لا تنتهي حول تقاسم الأعباء، ومهمة الناتو في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر، والتي توليتُ قيادتها لمدة أربع سنوات.
وعلى الرغم من كثير من المشاحنات الداخلية، توسع التحالف ليضم 32 دولة، ولا يزال عنصراً حيوياً للأمن ليس فقط في أوروبا الغربية، بل في البلقان والشرق الأوسط والقطب الشمالي والمياه قبالة أوروبا وأفريقيا.
لكن الجدل حول جرينلاند يُعد من أكثر الانقسامات توتراً التي شهدها الحلف. فقد أرسلت قرابة عشر دول أوروبية خلال الأسبوعين الماضيين وحدات صغيرة من القوات إلى الجزيرة، ظاهرياً لمسح الدفاعات ضد أي تسلل روسي أو صيني، لكن الهدف الأساسي كان ردع أي تدخل عسكري أميركي هدد به الرئيس دونالد ترامب. وحتى الآن سادت الحكمة، لكن القضية لم تُغلق، وهناك العديد من القضايا الأخرى التي يبدو أن فريق ترامب على وشك تهديد وحدة الحلف عبر الأطلسي فيها.
ومن ثم يبرز السؤال: كيف سيكون شكل «الناتو» من دون الولايات المتحدة؟ تملك واشنطن بلا منازع أكبر ميزانية عسكرية في الحلف، بنحو 900 مليار دولار، مع طرح ترامب مؤخراً فكرة رفعها إلى 1.5 تريليون دولار.
لكن ميزانية الدفاع الجماعية لأوروبا كبيرة جداً -وهي الثانية عالمياً- وتبلغ نحو 400 مليار دولار. وللمقارنة، تبلغ ميزانية روسيا نحو 140 مليار دولار، والصين نحو 250 ملياراً. ومع تعهدات جديدة من الدول الأوروبية بالوصول إلى إنفاق دفاعي يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي (3.5% إنفاقاً عسكرياً مباشراً و1.5% للبنية التحتية ذات الصلة والقدرات السيبرانية)، فإن هناك أموالاً طائلة تُضخ في الدفاع عبر الأطلسي.
وسيكون من أكبر الخسائر للتحالف في حال خروج الولايات المتحدة تراجع القاعدة الصناعية الدفاعية، بكل ما يرتبط بها من قدرات تكنولوجية. فشركات مثل «لوكهيد مارتن»، و«نورثروب جرومان»، و«بوينج»، و«جنرال دايناميكس»، و«آر تي إكس» (رايثيون سابقاً) تُعد من كبار المتعهدين الرئيسيين، و أكبر 25 شركة دفاعية في العالم يوجد أكثر من نصفها في الولايات المتحدة. لكن لدى أوروبا قاعدة صناعية قوية نسبياً، مع ثماني شركات ضمن أكبر 25، منها «بي إي إيه» (المملكة المتحدة)، وليوناردو (إيطاليا)، وإيرباص (فرنسا/ألمانيا)، وتاليس (فرنسا)، وساب (السويد)، وراينميتال (ألمانيا). تنتج الولايات المتحدة أعلى مستويات التكنولوجيا، بما في ذلك النصيب الأكبر من الطائرات الشبحية المقاتلة من الجيل الخامس مثل F-35، وأفضل الطائرات المسيّرة طويلة البقاء للاستطلاع وتوجيه الضربات، وأحدث أنظمة الدفاع الجوي، بما فيها باتريوت وثاد، وأفضل الأقمار الصناعية، وهي مفتاح الاستخبارات الشاملة. وفي المقابل، تصنع أوروبا السفن الحربية والغواصات العاملة بالديزل بسرعة أكبر وبقدرات تضاهي العديد من الفئات الأميركية. وبفضل دعمها الأخير لأوكرانيا، تتجاوز الدول الأوروبية بسرعة الولايات المتحدة في إنتاج الدبابات والمدافع الميدانية والذخائر.
وستكون أوروبا قادرة على اللحاق سريعاً بالأنظمة الأقل تعقيداً تقنياً، مثل الطائرات المسيّرة قصيرة المدى، والأسلحة الصغيرة، والمروحيات، وطائرات النقل، وأنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، وصواريخ الهجوم السطحي. فكم من الوقت ستحتاج الشركات الأوروبية لتعويض التكنولوجيا العسكرية الأميركية المنسحبة؟ ربما نحو خمس سنوات من التطوير - لكنه هدف ليس بعيد المنال إلى الأبد. أما من حيث القوى البشرية، فبينما تعتمد الولايات المتحدة على جيش متطوع بالكامل، فإن كثيراً من الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف معتادة على أشكال من التجنيد الإجباري. وتطبقه بالفعل تسع دول، بما فيها الدولتان الإسكندنافيتان، كما أن ألمانيا على وشك إعادة العمل به. تبقى بالطبع المعضلة الكبرى المتمثلة في المظلة النووية. فرغم امتلاك المملكة المتحدة وفرنسا قوات ردع نووية صغيرة لكنها مدربة جيداً، فإن أوروبا ستفقد المظلة الاستراتيجية، التي توفرها واشنطن. وقد تضطر الدول الأوروبية عندها إلى بناء قدراتها الخاصة، مع احتمال انضمام ألمانيا وبولندا إلى النادي النووي.
أو ربما يمكنها التفاوض مع الولايات المتحدة على إطار يُبقي قوة نووية مشتركة لفترة من الزمن. ومن العوامل الكبيرة التي تصب في مصلحة أوروبا أن الناتو من دون الولايات المتحدة لن يكون مثقلاً بالمسؤوليات العالمية -التي قادتها الأولويات الأميركية- والتي دفعت الحلف إلى خوض حروب في أفغانستان والعراق. ويمكن للناتو أن يركز بدرجة أكبر على محيطه المباشر، ولا سيما حماية أوكرانيا، التي يُرجح أن تنضم في نهاية المطاف إلى «ناتو» ما بعد الولايات المتحدة.
وسيظل لدى الحلف ست دول في القطب الشمالي. إذا اتجهت الولايات المتحدة نحو تركيز ضيق على نصف الكرة الغربي -كما تنص عليه كل من استراتيجية الأمن القومي الجديدة واستراتيجية الدفاع الوطني- فأعتقد أن الدول الـ31 المتبقية في الناتو ستكون بخير في نهاية المطاف. كما أن ضم أوكرانيا -التي يبلغ تعداد سكانها 40 مليون نسمة، ولديها جيش ذو خبرة عالية وشعب متحمس للغاية- سيعيد عدد أعضاء الحلف إلى 32.
لنأمل أن تبقى الولايات المتحدة على المسار، لكنني أعتقد أن الأوروبيين بدأوا يفكرون في خيارات أخرى لدفاعهم. يسألني الناس طوال الوقت: «من سيفوز في حرب أوكرانيا - الروس أم الأوكرانيون؟» وربما يكون الفائز الحقيقي هو الأوروبيون - إذا توحدوا وبنوا دفاعاً قارياً أقوى. لنأمل أن يكون ذلك داخل الناتو وبالشراكة مع الولايات المتحدة. لكن إذا لزم الأمر، فأعتقد أنهم قادرون على الاعتماد على أنفسهم.
*أميرال أميركي متقاعد وقائد سابق لقوات حلف الناتو.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشين»