شُغِل باحثو العلاقات الدولية كثيراً بوضع القوى الإقليمية في النظام العالمي ومحددات سلوكها، وكانت النظرة التقليدية أن هذا السلوك يتحدد بإرادة القوى العظمى والكبرى، بمعنى أنها تُملي على القوى الإقليمية سلوكها.
ولعل الظاهرة الاستعمارية تفسر هذه النظرة، فقد خضع لها معظم بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ولم يكن لتلك القوى حضور يُذكر في الساحة الدولية، وحتى عندما حاول بعضها رفع رأسه وبناء قوة ذاتية أزاحت القوى العظمى والكبرى تناقضاتها إلى الخلف مؤقتاً وتحالفت ضده. ثم أتت الحرب العالمية الثانية بمتغيرات جديدة كان على رأسها صعود حركات التحرر الوطني، وحقق بعضها انتصارات تاريخية، وانعكس هذا على الأفكار التي تناولت القوى الإقليمية، ومن هنا نشأت المدرسة الحديثة في النظم الإقليمية.
ولم تنكر هذه المدرسة تأثير القوى العظمى والكبرى على القوى الإقليمية، لكنها رفضت أن يكون هذا التأثير مطلقاً، فقد بينت الخبرة العملية أنه إلى جانب الحالات التي فرضت فيها القوى العظمى والكبرى إرادتها على القوى المتوسطة، كانت هناك حالات أخرى أمكن فيها لهذه القوى التقليل من تأثير القوى العظمى والكبرى عليها، بل وتحييده، ناهيك عن قدرة القوى الإقليمية أحياناً على إحداث تغيير في القوى العظمى والكبرى ذاتها، كما تأكد من التغيرات التي شهدها بعض هذه القوى نتيجة معارك التحرر الوطني في أقاليم العالم المختلفة.
ومن دون شك فإن التغير الذي أصاب نموذج القيادة في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية من التعددية إلى القطبية الثنائية قد لعب دوراً في صعود القوى الإقليمية في النظام الدولي، فقد وجدت القوى الإقليمية السند في الاتحاد السوفييتي، عندما كانت تضطر إلى تحدي الإرادة الأميركية. ويمر الشرق الأوسط حالياً بمرحلة اختبار للأفكار السابقة، فثمة توترات حالية بين قوة عظمى هي الولايات المتحدة الأميركية وأخرى إقليمية هي إيران، وقد أطلق الرئيس الأميركي تهديدات لإيران باستخدام القوة ضدها لأسباب متنوعة أهمها وفقاً لتصريحاته قتل المتظاهرين في الاحتجاجاجات ضد النظام، وكذلك برنامجها النووي.
والجديد في هذه المواجهة أن دور القوى الإقليمية لم يكن مقصوراً على إيران، وإنما امتد لجميع القوى الوازنة في المنطقة، ليس بالضرورة من منطلق تأييد إيران. ولكن لأن هذه القوى أجمعت -عدا إسرائيل- على أن الأهداف الأميركية من هذه الضربة لن تتحقق بالضرورة، وأنها بالمقابل ستحدث درجة كبيرة من درجات عدم الاستقرار بالمنطقة يتضرر منها الجميع، ولذلك ناشدت هذه القوى الرئيس الأميركي بأن يُعطي فرصة للحل الدبلوماسي، وهو ما حدث بالفعل، وتم تدشين أول جولة مفاوضات من أيام أعقبتها تصريحات إيجابية من الطرفين.
وسواء كُللَت جهود الوساطة هذه بالنجاح أم لم تُكلل، فإن الدلالة الأكيدة للأزمة أن القوى الإقليمية لم توافق على فكرة الضربة ووجدتها ضارة بمصالحها، وطلبت من ترامب الرجوع عنها وتسوية الأزمة سلمياً، وسوف تثبت الأيام القادمة ما إذا كان جاداً في التوصل إلى حل، أم أنه استجاب لجهود التفاوض كنوع من الخداع التكتيكي أو محاولة كسب شرعية للضربة على أساس أنه حاول التوصل لحل سلمي، لكن «التعنت الإيراني» أفسده، وسوف تكون لنتائج هذه المواجهة دلالة مهمة بالنسبة للجدل العالمي- الإقليمي في العلاقات الدولية.
*أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة