يُعد التراث التاريخي بمكوناته المادية والمعنوية، أحد أهم ركائز الذاكرة الجمعية للشعوب، والإطار الذي تتشكّل داخله معاني الانتماء والهوية والولاء للوطن، بوصفه خلاصة تراكم طويل من التجارب والقيم وأنماط العيش التي صاغت وجدان المجتمع عبر الزمن.
وفي هذا السياق، جاءت الدورة الأولى من «مهرجان العين التراثي»، التي أُقيمت تحت رعاية سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة العين، ونظّمتها هيئة أبوظبي للتراث في مركز أبوظبي الوطني للمعارض «أدنيك - العين» خلال الفترة من 31 يناير إلى 9 فبراير 2026، تحت شعار «حكايات من تراثنا»، لتقدّم نموذجاً عملياً لكيفية تحويل التراث إلى مشروع وطني حي ومتجدد، وقادر على مخاطبة الحاضر واستشراف المستقبل.
ولعله من المهم التأكيد في هذا السياق على أنه من خلال استحضار القصص والحكايات والممارسات اليومية والعادات المتوارثة، تتبلور ملامح الشخصية الوطنية، وتتجذّر القيم التي تميّز المجتمع الإماراتي، وتُمدّ الجسور بين الأجيال الجديدة وجذورها العميقة، في تأكيد على أن الهوية ليست نتاج الحاضر وحده، بل ثمرة مسار تاريخي طويل.
ومن هنا، فإنه وانطلاقاً من العين، حيث تتقاطع الذاكرة مع المكان، أعادت الإمارات التأكيد على أن الموروث الشعبي لا يُختزل في كونه روايات تُروى أو مظاهر تُعرض، بل هو طاقة حيّة يستند إليها الحاضر في صياغة رؤيته للمستقبل.
وقد عكس تنظيم مهرجان العين التراثي حرص القيادة الرشيدة على تأكيد أن صون التراث هو خيار استراتيجي يتكامل مع رؤية الدولة بشأن تعزيز الهوية الوطنية وترسيخها في وعي الأجيال الصاعدة. وقد تجسّدت هذه الرؤية في طبيعة الفعاليات التي جمعها المهرجان تحت سقف واحد، بدءاً من الحِرف التقليدية وأسواق المنتجات المحلية، مروراً بالفنون الشعبية والعروض الحيّة، ووصولاً إلى الفضاءات التفاعلية الموجّهة للأطفال والعائلات، بما حوّل المهرجان إلى صورة مصغّرة لـ«فريج» إماراتي مفتوح، يعيش فيه الزائر تفاصيل الحياة القديمة، ويتعرّف عن كثب على أساليب العيش والإنتاج التي شكّلت جزءاً أصيلاً من يوميات الآباء والأجداد، فيدرك جذور ما يراه اليوم في صوره المعاصرة.
وقد أولى المهرجان اهتماماً خاصاً بالرياضات والأنشطة التراثية التي تحمل في طيّاتها منظومة من القيم المرتبطة بالشجاعة والكرم والانضباط وروح الجماعة، من خلال مجموعة واسعة من الفعاليات والمسابقات اليومية، مثل مزاد التمور، ومسابقة الطبخ الحي، وسوق التمور، والسوق التراثي، وركن الحرف اليدوية، وواحة الفنون، إلى جانب عروض الصقارة والخيول والسلوقي العربي وغيرها من الأنشطة المتصلة بالبيئة المحلية.
كما لم يُغفل المهرجان البُعد التعليمي والتوعوي، إذ شهد تنظيم برامج وأنشطة مُخصّصة للأطفال، اعتمدت على التفاعل والتجربة المباشرة، وسعت إلى ترسيخ مفاهيم الحفاظ على المواقع التاريخية والبيئة المحلية، ودور المؤسسات الثقافية في توثيق التراث غير المادي، بما يعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه الهوية الوطنية.
وفي الواقع، فإن تنظيم مهرجان العين التراثي قد اكتسب دلالة عميقة تتجاوز البُعد الترفيهي، لتشمل مساحات تفاعلية ترمي إلى إعادة وصل الماضي بالحاضر، وإشراك الشباب في تجربة حيّة تُعيد إليهم ملامح الحياة البدوية والبحرية، التي أسهمت في تشكيل الوجدان الإماراتي عبر عقود طويلة. ويؤكد الإقبال المجتمعي الواسع الذي شهدته الدورة الأولى من المهرجان، أن الاستثمار في التراث هو في جوهره استثمار في الإنسان، وفي وعيه وانتمائه.
إن عناية دولة الإمارات بحفظ التراث تفتح أمام الأجيال الجديدة آفاقاً واسعة لاكتشاف مواهبهم الإبداعية، وفهم الكيفية التي نجح بها الأسلاف في إضفاء الجمال والمعنى والقيمة على تفاصيل حياتهم اليومية، بما يتجاوز البعد الوظيفي إلى أفق ثقافي وجمالي أرحب. ومن خلال هذه الفضاءات الحيّة، يزداد الوعي رسوخاً بأن قصة الإمارات الحديثة لا تنفصل عن عُمقها التاريخي، وأن التراث سيظل ركيزة أصيلة في بناء الهوية الوطنية، وجسراً مُمتداً يصل ذاكرة الماضي بتطلعات المستقبل.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.