قال المتنبّي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ
لم يكن المتنبّي يتفاخر بقدر ما كان يصف حالة يصل فيها الأثر إلى حدٍّ لا يمكن إنكاره. حالة يصبح فيها الفعل أبلغ من الخطاب، ويغدو الواقع أوضح من أي تبرير. هذا المعنى تحديداً هو ما يتبادر إلى ذهني كلما تأملت تجربة دولة الإمارات في سياستها الناعمة، وفي طريقتها المتّزنة في التعامل مع الضجيج الذي يعلو أحياناً حولها.
في السنوات الأخيرة، ومع تسارع المنصات الرقمية وتحوّلها إلى ساحات مفتوحة للرأي والرأي المضاد، لم تسلم أي دولة ناجحة من حملات التشكيك أو الاتهام أو التأويل المغرض. والإمارات ليست استثناء. لكن الفارق الجوهري لم يكن في حجم ما يُقال، بل في طريقة الرد. لم نشهد اندفاعاً انفعالياً، ولم نرَ سباقاً في الردود، ولم تتحول الدولة إلى طرف في معارك يومية. بل مضت في طريقها، وكأنها تقول بهدوء الواثق: العمل هو الرد.
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض المنصات تضجّ بالاتهامات، كانت دبي تستقبل ما يقارب ستين زعيم دولة ومئتي وزير في القمة العالمية للحكومات. لم يكن ذلك مجرد حدث بروتوكولي، بل رسالة سياسية واقتصادية وأخلاقية في آن واحد.
العالم لا يجتمع في مدينة مضطربة، ولا يمنح ثقته لدولة تسير بلا رؤية. حضور هذا العدد من القادة في لحظة إقليمية ودولية حساسة يعكس قناعة دولية بأن الإمارات شريك موثوق، وأنها تمضي بخُطى ثابتة نحو أهدافها، غير مكترثة بالضوضاء العابرة.
السياسة الناعمة ليست خطاباً تجميلياً، بل فلسفة عميقة في إدارة الدولة. هي إدراك أن الاستقرار لا يُبنى بالصوت المرتفع، بل بالمؤسسات القوية. وأن السمعة الدولية لا تُصنع بالشعارات، بل بالالتزام. وأن الاحترام لا يُفرض، بل يُكتسب عبر تراكم الإنجاز. وحين ننظر إلى ما تحقق في الاقتصاد، في البنية التحتية، في التعليم، في تمكين المرأة، في الاستثمار في الإنسان، نجد أن الصورة أوضح من أي جدل.
المؤلم أن الأمة العربية تمرّ بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً. فُرقة، استقطاب، صراعات داخلية، وطاقات مُهدرة في معارك جانبية، بينما العالم من حولنا يتقدم وفق حسابات المصالح والاستقرار والنمو. في هذا السياق، تبدو التجربة الإماراتية مختلفة، فهي لا تُعرّف نفسها بالخصومة، بل بالمبادرة، ولا تُثبت حضورها بالتصعيد، بل بالبناء.
بعض الدول والقادة قد يرون أن الظهور يكون عبر استعراض القوة، أو عبر رفع سقف الخطاب، أو عبر صناعة عدو دائم يبرر البقاء. لكن التاريخ يُعلّمنا أن الشعوب لا تلتف طويلاً حول الضجيج، بل حول الإنجاز. لا تحترم من يَعِد فقط، بل من يُنجز فعلاً. ولا تثق في من يصرخ، بل في من يحقق نتائج ملموسة في حياتها اليومية.
القوة الحقيقية ليست في فرض الإرادة، بل في صناعة النموذج. ليست في السيطرة، بل في الاستقرار. ليست في تكرار الشعارات، بل في رفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدالة، وفتح أبواب الفرص. وحين تنجح الدولة في أن تجعل من مواطنيها والمقيمين على أرضها شركاء في مسيرتها، فإنها تضمن ولاءً نابعاً من قناعة، لا من خوف.
ورغم كل التحديات التي تحيط بالمنطقة، أؤمن بأن وجود دولنا العربية بأشكالها الحالية لا يزال عنصر قوة. والكيانات القائمة، مهما اختلفت سياساتها، تمثّل أرضية يمكن البناء عليها، لا هدمها. التنافس الحقيقي يجب أن يكون في جودة التعليم، في قوة الاقتصاد، في كفاءة الإدارة، في احترام القانون.
الإمارات اختارت طريقاً واضحاً: بناء الإنسان، ترسيخ الاستقرار، وتعزيز الشراكات الدولية. لم تجعل من الرد على كل هجوم أولوية، بل جعلت من تحقيق أهدافها أولوية. وهذا هو الفارق. حين تكون البوصلة واضحة، لا يُشتِّتك الضجيج، وحين تكون الرؤية بعيدة المدى، لا توقفك العواصف العابرة.
لهذا أعود إلى بيت المتنبّي، لا كاستشهاد أدبي، بل كحكمة سياسية. حين يبلغ العمل درجة الإتقان، يصبح واقعاً يُبصره مَنْ حاول ألا يرى، وتسمعه آذان مَنْ ادّعى الصَّمم. الإنجاز الصادق لا يحتاج إلى كثير من الدفاع، بل إلى استمرار وثبات.
في زمن الضجيج، يبقى العمل الصادق هو الصوت الأعلى. وفي زمن التشكيك، تبقى النتائج هي البرهان. ومن يمضِ بخطى ثابتة نحو أهدافه، لا يلتفت كثيراً إلى مَنْ يحاول إعاقته لأنه يعرف أن التاريخ لا يدوّن الضوضاء، بل يخلّد من بنى وأحسن البناء.
*لواء ركن طيار متقاعد