شكّلت مرحلة «الحداثة» النقدية الأدبية في الإقليم حالاتٍ من التصدّع والتصادم، حينها ظهر رموز «النظريّة الحداثية» وفي ظرفٍ حاسم حيث الاصطدام الشديد مع الأصوليات، ونموّ الخطاب الشعبوي في الثمانينيات والتسعينيات، وكان الراحل سعيد السريحي من أوائل من تنبّه لتلك المُعضلة الحقيقية، ولهذا - برأيي - سببان اثنان:
أولهما: أن تيار الحداثة تنازعتْه مجاميع من اليساريين والقوميين، ومن بينهم بعض الليبراليين الصُّرحاء. يعلم كل من قرأ تاريخ تلك الرحلة الدقيقة أن لماماً وأمشاجاً من المثقفين جاملوا التيارات الأصولية الصاعدة، وذلك لأسبابٍ عديدة، منها محاولة للاستمرار في التدريس، أو تكثيف النفوذ بالمجتمع، أو لتشويش الهجوم المحتمل عليهم آنذاك.
ثانيهما: أن الحداثة بدأت بأفكار نقدية ذات بُعد أدبي خالص، وما كانت تتدخّل بمفهومها العميق أو ما يسمى بالحداثة الشاملة، وعليه فإن من السهل على أيّ أديبٍ أن ينتمي إلى هذه المنظومة وهو في غاية الاطمئنان، بينما برز رموزٌ من المؤثّرين كان لهم دورهم الحيوي في التأسيس للحداثة الفكرية، ومن بينهم الراحل سعيد السريحي الذي ما فتئ ينافح عن المفهوم الأعم للحداثة، على عكس مجايليه الذين يناورون في بعض الأحايين لأسبابٍ معينة. وما كان السريحي مقتنعاً بنهاية الحداثة، بل حتى في آخر حواراته المتلفزة، بل يعتبر حتى مفهوم «مابعد الحداثة» امتداداً لأسئلة الحداثة ونقائضها.
نعم، يُتداول باستمرار موضوع «نهاية الحداثة». وهذا التصعيد في أحاديث النهايات له خطّة صحيحة حين نتعامل مع الحداثة بوصفها جزءاً من تاريخ ما وصلت إليه البشرية. ولمقولة «نهاية الحداثة» جانب خاطئ، لأن الحداثة، حين نأخذها بالمعنى البسيط، متجددة وقائمة.
الحداثة بمفهومها العام تعني التحديث المتواصل، فكل انتقال في الفنون والسينما والأدب هو تحديث بمعنىً أو بآخر، وبالتالي، فإن الحداثة شريكة في هذا المُنجَز، لكن حين نتعامل معها بحقبتها التاريخية المحددة، فإن مقولة نهايتها قابلة للنقاش.
لم يكن الدكتور السريحي مُروِّجاً لمفاهيم معينة بالمعنى العام للمثقف أو الأديب التقليدي، بالكاد يظهر أو يتحدّث أو يُبدي كلمته حول أي موضوعٍ فكريّ، ولكنه حيث يتحدّث يدهشك بالبيان الفكري العميق. إن صلة المثقف بمجتمعه وقارئيه تحتاج إلى دُربةٍ وحكمةٍ ودرايةٍ لن تصقلها إلا السنين، وحين تلتقيه لا ينطق إلا ببضع جُمل مكثّفة يجعلك تتأملها، حيث الحكمة ودقّة الفكرة، وحين كتب قصّته عن حارته «الرويس» عبّر عن حكايا نسيها الناس وبلوحاتٍ فنّيةٍ مفعمةٍ بأسلوبٍ فريد.
الخلاصة، أن الراحل سعيد السريحي أعطانا درساً عظيماً تجلّى في كل تفاصيل تجربته، وهو أن القول الغني والمؤثّر أهم من الإطالة والاستزادة، كان يكره «التعالم» الذي يحيط بالبعض. كان يحبّذ التواضع للمعلومة، ويُنصت أضعاف ما يتكلم، كتب الشِّعر من دون تكلّف، نجح حيناً وأخفق في أحايين. ارتبط اسمه بدراساتٍ وندواتٍ عن الشاعر محمد الثبيتي الذي لم يكتُب عنه أحدٌ بجودة ما كتب المرحوم سعيد السريحي، ببساطة إنه الحداثي الأشمل والأكثر قدرةً على تجاوز الحداثة النقدية، متجهاً نحو الحداثة الفكرية بمفهومها الفلسفي الأهم. 
*كاتب سعودي