يمثل إطلاق أول صاروخ هجين مُصنّع بالكامل داخل دولة الإمارات العربية المتحدة محطة استراتيجية في مسار بناء قدرات سيادية في مجالات الفضاء وأنظمة الدفع. فقد نجح معهد الابتكار التكنولوجي، الذراع البحثية لمجلس أبحاث التكنولوجيا المتطورة في أبوظبي، في تطوير وتصميم واختبار وتشغيل منظومة دفع هجين متكاملة، في إنجاز يعكس انتقال الإمارات من مرحلة استيعاب التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاجها وتشغيلها بقدرات وطنية كاملة.انطلق الصاروخ عند الساعة 12:21 ظهراً في 13 فبراير 2026، ووصل إلى ارتفاع قدره 3 كيلومترات فوق صحراء الإمارات قبل أن يهبط باستخدام نظام مظلي مخصّص للاستعادة. ويبلغ وزن الصاروخ 13 كيلوغراماً، وقد أثبت خلال الرحلة التجريبية له سلامة بنيته الهيكلية وكفاءة أنظمة الدفع والتحكم في ظروف طيران فعلية.
ويمثّل هذا الإطلاق تتويجاً لبرنامج تطوير واختبارات مكثّف استمر عامين ونصف العام، شمل مراحل متقدمة من التصميم الهندسي، والمحاكاة، والاختبارات الأرضية، وتجارب التدفق البارد والاحتراق الساخن الثابت قبل اعتماد النظام للطيران. وقد نُفذت جميع مراحل المشروع بوساطة فرق مقرها دولة الإمارات، في تأكيد واضح على اكتمال سلسلة القيمة التقنية داخل الدولة.
ويرتكز هذا الإنجاز على منظومة دفع هجين تجمع بين أكسيد النيتروز كمادة مؤكسدة ووقود صلب من البولي إيثيلين عالي الكثافة. ويجمع هذا النظام بين خصائص المحركات الصلبة والسائلة، مع ميزات تتعلق بالأمان والكفاءة والتكلفة التشغيلية. كما يتميّز التصميم المعتمد بكونه ذاتي الضغط، ما يلغي الحاجة إلى بنية تحتية أرضية معقدة أو التعامل مع وقود مبرد، الأمر الذي يعزّز السلامة التشغيلية ويجعل النظام مناسباً تماماً لمهام الأبحاث دون المدارية ومركبات الإطلاق في مراحل التطوير الأولى.
وقد صُنعت واختُبرت جميع مكونات النظام داخل الدولة، بما في ذلك الخزانات، وأنظمة التحكم، وإلكترونيات الطيران. أما الهيكل الخارجي للصاروخ، فقد بُني باستخدام مواد مركبة متقدمة، إذ استُخدمت ألياف الكربون عالية الأداء في الهيكل الرئيسي والزعانف لتحمّل ضغوط الطيران، بينما صُنع مخروط المقدمة من مركبات الألياف الزجاجية لضمان مرور إشارات الراديو والملاحة دون انقطاع.
وتبلغ سرعة الصاروخ ما يعادل تقريباً 1100 كيلومتر في الساعة، قبل أن ينفذ عملية فتح المظلة عند أقصى ارتفاع تم بلوغه وهو 3 كيلومترات. ومثّلت عملية الاستعادة عنصراً بالغ الأهمية في المهمة، إذ مكّنت الفرق الهندسية من استرجاع مكونات رئيسية لتحليل الأداء وإعادة استخدام بعض الأنظمة، بما في ذلك نظام القياس عن بُعد والمكونات الملحقة.
شارك في تنفيذ هذه المهمة فريق مكوّن من 15 مهندساً وباحثاً، عملوا بكل جهد لإخراج المشروع من مرحلة البحث النظري إلى القدرة التشغيلية الفعلية. وقد أرجأ الفريق الاحتفال إلى حين التحقق الكامل من البيانات، والتأكد من نجاح جميع مراحل المهمة، في انعكاس لمنهجية علمية صارمة تضع الدقة والتحقق في صلب العمل البحثي.
تكتسب هذه التجربة أهميتها من طبيعة صواريخ السبر أو الأبحاث، التي تُستخدم عالمياً لاختبار أنظمة الدفع وإلكترونيات الطيران وأنظمة الاستعادة في ظروف طيران حقيقية، قبل توسيع نطاقها إلى مركبات إطلاق أكبر وأكثر تعقيداً. وبنجاح هذه المهمة، أثبتت الإمارات قدرتها على تطوير وتشغيل منصة إطلاق وطنية، والتحكم في دورة الإطلاق كاملة، بدءاً من تطوير الدفع وتكامل الأنظمة، وصولاً إلى العد التنازلي والإقلاع والاستعادة.
ويمثل هذا الإطلاق تجربة وطنية تضع أساساً تقنياً لمرحلة جديدة تشمل تطوير محركات أكبر، وتنفيذ عمليات على ارتفاعات أعلى، وحمل حمولات أثقل، إلى جانب إنشاء بنية تحتية وطنية متكاملة للإطلاق والتحكم في المهام. ولا شك في أن هذه التجربة تؤكد أن دولة الإمارات تمتلك اليوم المعرفة والخبرة العملية في مجال أنظمة الدفع الصاروخي.
إن إطلاق أول صاروخ هجين مُصنّع بالكامل داخل دولة الإمارات لا يمثل مجرد اختبار ناجح لصاروخ، بل يؤسّس لمسار استراتيجي طويل المدى يرسّخ مكانة الإمارات كلاعب إقليمي في أبحاث الفضاء، ويؤكد أن الوصول المستقل إلى الفضاء بات هدفاً قابلاً للتحقق استناداً إلى قاعدة علمية وهندسية وطنية راسخة.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.