«اكتشفت أنه.. قد أصبح عقلٌ لفمي»، هكذا قالت المستشرقة البلغارية مايا تسينوفا بمناسبة يوم اللغة العربية، الذي يَحُلُّ في 18 ديسمبر من كل عام. تقول إنه: بعد دراستي اللغة العربية، اكتشفت أنه قد «أصبح للساني عقلٌ»، فهي تعني: أن تعلّمها العربية لم يُضِفْ إلى لسانها ألفاظاً جديدة فحسب، بل منح تفكيرها أفقاً أوسع، وتحوّلاً في طريقة التفكير والتعبير. ليست اللغة العربية «عِرقاً» كما يعتقده بعض العرب، بل هي لسان ولغة ووسيلة تواصل راقية، وهي وعاء حضارة، ولسان وحي، وجسر روحي امتدّ عبر القرون ليصوغ هوية أمة بأكملها.
فمنذ أن نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين على قلب النبي محمد ﷺ، أصبحت العربية أكثر من لغة، أصبحت رسالة، ونوراً، وروحاً نابضة في وجدان العرب والمسلمين، ومن تعلّمها من غيرهم. ارتبطت العربية بتاريخ العرب ووجودهم الثقافي وهويتهم، قبل الإسلام وبعده.
فقد كانت لغة الشعر والخطابة والحكمة، وبلغت ذروة بيانها في أسواق العرب الأدبية، حيث تجلّت روعة البيان ودقة التعبير.
ومع نزول القرآن، ارتفعت مكانتها من لغة قوم إلى لغة رسالة عالمية. لقد صاغت العربية عقل العربي، وشكّلت وجدانه، وربطت بين أفراده برابطة تتجاوز القبيلة والعرق. فهي ليست مجرد مفردات وتراكيب، بل منظومة فكرية كاملة تحمل في طياتها رؤية للعالم، وقيماً أخلاقية، وأسلوباً في التفكير والتعبير. للغة العربية تأثيرها البياني: سِحْر اللفظ وعمق المعنى، وتتميز بثروة لفظية هائلة، ومرونة اشتقاقية، وقدرة فريدة على التصوير البياني ولغة قادرة على التأثير العاطفي والعقلي في آن واحد.
وقد تجلّى هذا التأثير بأسمى صوره في القرآن الكريم، الذي أعجز فصحاء العرب ببلاغته ونظمه. ولا يزال إلى اليوم يهزّ القلوب ويوقظ الأرواح، سواء لدى العربي، أو لدى العربي وغير العربي يتذوق إيقاعه وجلاله حتى قبل أن يتقن معانيه. زادت اللغة العربية تأثيرها الروحي، عندما أصبحت لغة عبادة وهوية إيمانية مما ازداد تمكُّنها رسوخاً، لأنها لغة القرآن والعبادات الأساسية في الإسلام. فالمسلم في أقصى الشرق أوالغرب يتوجّه في صلاته، ويذكر الله بألفاظ عربية، ويستشعر وحدة روحية تتجاوز الحدود الجغرافية.
في مكة المكرّمة والمدينة المنورة، يلتقي المسلمون من شتى بقاع الأرض حُجّاجاً ومعتمرين، وتكون العربية الرابط المشترك بينهم، في الدعاء والذكر وتلاوة القرآن. وهكذا أصبحت العربية عنصراً من عناصر الوحدة الإسلامية، ووعاءً جامعاً لمشاعر الإيمان. لم تقتصر العربية على العرب، بل أحبّها وتعلَّمها الملايين من غير العرب عبر العصور، وهؤلاء أسهموا في خدمة اللغة العربية نفسها، فكان دليلاً على أن العربية ليست حكراً على عرق، بل هي فضاء مفتوح لكل من أحبّها وسعى إلى فهمها. نرى أنه رغم التحديات التي تواجهها في عصر العولمة والهيمنة اللغوية الأجنبية، لا تزال العربية حيّة نابضة في قلوب العرب.
يمكن أن نربط ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: 2) اللغة العربية لسان صنع أمة، وبنى حضارة، هوية أمة وجسر حضارة. ومهما أتينا بالأوصاف اللغوية والجمالية، فلن نحيط بوسع اللغة العربية وكنهها، ففيها موسيقى المعنى ضياء الكلمة، ولا ننسى أن اللغة العربية معجزة البيان وسحر الحروف.
فلا يمكن للغة العربية التي وسِعت كتاب الله، أن تضيق بأهلها. العربية هي صوت القرآن ونبض الإيمان، وتتعبّد بها القلوب قبل الألسنة، فاللغة العربية من أغنى لغات العالم، حيث يُقدّر عدد مفرداتها في المعاجم بنحو 12.3 مليون كلمة (دون تكرار)، وهو ما يفوق 20 ضعف عدد كلمات اللغة الإنجليزية (600 ألف كلمة، مقارنة بالإنجليزية، عدد كلماتها يعادل أكثر من 20 إلى 25 ضعف كلمات الإنجليزية.
دولة الإمارات مهتمة بلغتها العربية وتحميها وتعزّز وجودها من خلال حاضنات تربوية وأكاديمية: مراكز وجمعيات ومعاهد لدعم اللغة العربية، ومنتديات الشِّعر، ومسابقة حفظ القران وتلاوته المصحوبة بالجوائز. والتطور الذي شهدته الدول العربية اقتصادياً، خاصة الخليج العربي، شجَّع دول شرق آسيا على الاهتمام بتعلّم اللغة العربية، ذلك يساعد على تسهيل الاتصالات وتقوية الروابط، التجارية والثقافية.
*سفير سابق