أثارت تصريحات مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، يوم الجمعة الماضي، ردود فعل واسعة. ويتناول هذا المقال الشِّق العربي - الإسلامي منها، رغم أنها لم تقتصر بطبيعة الحال على هذا الشق، ولعل من شاهدوا لقاء السفير قد لاحظوا أن الإعلامي الأميركي الشهير تاكر كارلسون الذي أجرى معه الحوار، الذي أدلى بتصريحاته خلاله أن كارلسون نفسه كان مستنكراً ومفنِّداً للحجج التي استند إليها، وقد ذهب «هاكابي» في تصريحاته هذه إلى أنه «لا بأس إذا استولت إسرائيل على كامل أراضي الشرق الأوسط...»، مستنداً إلى نصوص دينية من «العهد القديم»، مردِّداً العبارة الشهيرة «من النيل للفرات»، على أساس أن كل هذه الأراضي هي «أرض منحها الله لشعب اختاره». وعندما سأله كارلسون عن حق إسرائيل في الاستحواذ على هذه الأراضي، جاءت الإجابة الواضحة «سيكون الأمر مقبولاً لو أنهم أخذوها كلها»، ومن المعروف أن هاكابي يُمثّل تياراً محافظاً داعماً لإسرائيل بقوة ضمن الأوساط الإنجيلية اليمينية في الولايات المتحدة.
وقد كان من الطبيعي أن تُحدث هذه التصريحات ردود فعل واسعة وبالذات على الصعيدين العربي والإسلامي، وأودّ التركيز في هذا السياق على البيان الذي صدر عن 14دولة عربية وإسلامية كرّد فعل لتصريحات هاكابي.
ومن المهم بداية التركيز في ماهية هذه الدول، والملاحظة الأولى أنها تجمع بين دول عربية ودول إسلامية غير عربية هي تركيا وباكستان وإندونيسيا، وهو ما يمثّل امتداداً لظاهرة انخراط هذه الدول في تفاعلات المنطقة بدرجة أكبر منذ بدأت أحداث غزة في أكتوبر2023.
والملاحظة الثانية أن الدول العربية الـ11 التي شاركت في إصدار البيان هي دول مجلس التعاون الخليجي الست، بالإضافة لمصر والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين، ويُلاحظ صدور بيانات وتصريحات من الأمانات العامة لكل من مجلس التعاون الخليجي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والبرلمان العربي، وهو ما يشير لحالة من الإجماع في هذا الصدد، ونصل بعد ذلك لمحتوى البيان الذي أدان كما هو متوقع تصريحات هاكابي، معتبراً أنها مثّلت خروجاً سافراً على قواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتحريضاً علنياً على تكريس الاحتلال غير أن ما يستوقف النظر في البيان هو دعوته الإدارة الأميركية لتوضيح موقفها من هذه التصريحات الاستفزازية التي اعتبرها البيان «استهتاراً» بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة مع واشنطن، وتمثّل دعوة صريحة «للاعتداء على سيادة الدول»، وتبعث رسائل خطيرة تتناقض مع الجهود الدولية الرامية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
وتبدو دعوة البيان الإدارة الأميركية لتوضيح موقفها من تصريحات هاكابي شديدة الأهمية لأن السفير هو الممثّل الرسمي لبلاده ورئيسها لدى الدولة المضيفة له، وبالتالي فإنّ مواقفه وتصريحاته يجب أن تكون تامة الاتساق مع سياسة الدولة التي يمثلها، وهو ما يتناقض كل التناقض مع التصريحات التي صدرت عنه.
فالرئيس ترامب الذي نصّت خطته في سبتمبر الماضي على عدم إلحاق غزة بإسرائيل، والذي صرح غير مرة بعدم موافقته على ضم إسرائيل للضفة الغربية لا يمكن أن يكون مؤيداً لتصريحات تمس بوجود دول عربية صديقة للولايات المتحدة، أو على الأقل تمس سلامتها الإقليمية، ومن هنا وجب التوضيح.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة.