تتمتع الهند بإمكانات هائلة لتصبح قوة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي. فهل تستطيع تحقيق قفزة نوعية من قطاع تكنولوجيا المعلومات؟
مع افتتاح قمة تأثير الذكاء الاصطناعي 2026 في نيودلهي الأسبوع الماضي، بدا الحدث أقرب إلى مهرجان هندي منه إلى مؤتمر سياسي. اصطف الآلاف في طوابير طويلة خارج القاعة، والتقطت مجموعات من الأصدقاء صوراً تذكارية تحت لوحات إعلانية ملونة تعد بالابتكار والتحول. جاء البعض للتواصل، بينما جاء آخرون لمشاهدة هذا الحدث المميز.
هذه هي أول قمة للذكاء الاصطناعي بهذا الحجم تُعقد في دول الجنوب العالمي، حيث تجمع كبار المسؤولين التنفيذيين وصناع السياسات والمستثمرين من جميع أنحاء العالم. بالنسبة لبلد لطالما عُرف بكونه المكتب الخلفي العالمي لتكنولوجيا المعلومات، فإن الرمزية واضحة: الهند تسعى إلى تشكيل عصر الذكاء الاصطناعي، لا مجرد تقديم خدماته.
في الداخل، تعج قاعات العرض بالضجيج، يتجمّع مهندسون شباب حول آلات بشرية الشكل وروبوتات رباعية الأرجل، يمدّون أيديهم لمصافحة أطراف معدنية. وتعرض الأجنحة أدوات ذكاء اصطناعي للرعاية الصحية والحوكمة والتمويل. وتتردّد عبر الممرات إعلانات عن مقتنيات مفقودة، بينما تشهد أكشاك البرياني والشاي إقبالاً كبيراً. ويغمر الجو حديثٌ عن مستقبل الهند كقائد في مجال الذكاء الاصطناعي.
لكن خلف هذا التفاؤل يكمن قلق.
فعلى مدى العقدين الماضيين، أسهم قطاعا تكنولوجيا المعلومات وخدمات التعهيد في العمليات التجارية في دفع نمو الطبقة الوسطى الحضرية، موفّرين وظائف لنحو 7 إلى 8 ملايين شخص. والآن، بينما تحاول الهند اللحاق بالولايات المتحدة والصين لتصبح لاعباً رئيسياً في الذكاء الاصطناعي، يخشى البعض أن يُترك هؤلاء العمال خلف الركب.
يحذر تقرير حديث صادر عن لجنة التخطيط في الهند من أن قطاع خدمات التكنولوجيا قد يفقد بحلول عام 2031 ما بين 1.5 و2 مليون وظيفة بسبب الأتمتة، في حين قد يخلق ما يصل إلى 4 ملايين وظيفة جديدة، وذلك تبعاً لتطور جهود القوى العاملة والسياسات. ويشير التقرير إلى أن «الفرق يكمن في الخيارات التي نتخذها اليوم».
في يوليو 2025، أعلنت شركة «تاتا» للخدمات الاستشارية أنها ستخفض حوالي 12200 وظيفة - أي ما يقارب 2% من قوتها العاملة - في إطار تكيفها مع الأتمتة. كما خفّضت شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى الأخرى وتيرة التوظيف الجامعي وقلّصت الوظائف المتوسطة. ويقول الخبير الاقتصادي «سانتوش ميهروترا» إن التوظيف «تباطأ بشكل كبير»، حيث جمّدت الشركات عمليات التوظيف، وقلّصت عدد الموظفين، وأعادت تدريب العاملين مع تحوّل العملاء من البرمجة الروتينية إلى خدمات أكثر تقدماً تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
بالنسبة للمهندسين الشباب، يظهر الضغط فوراً مع الانخفاض الحاد في التوظيف داخل الجامعات.
تُخرّج الهند حوالي 1.5 مليون مهندس سنوياً، ولكن في دورة 2024-2025، لم تُوظّف كبرى شركات تصدير البرمجيات سوى ما بين 70000 و80000 مهندس جديد، وهو أدنى مستوى توظيف منذ أكثر من عقدين. وتشير تقديرات شركات التوظيف إلى أن أقل من واحد من كل عشرة خريجين في الهندسة سيحصل على وظائف في قطاع تكنولوجيا المعلومات هذا العام.
حضرت الطالبة «ديشيتا ناجي»، المتخصصة في الهندسة، القمة للتواصل والبحث عن فرص عمل. وتقول، إن القلق يسود بين زملائها. وتضيف: «من الصعب جداً الحصول على وظيفة في الوقت الراهن. عليك أن تُطوّر نفسك باستمرار».
ومع تضاؤل فرص العمل التقليدية، يتجه العديد من الخريجين إلى الشركات الناشئة.
تشير بيانات حكومية إلى أن الهند تضم الآن أكثر من 159000 شركة ناشئة معترف بها رسمياً، بعد أن كان عددها 500 شركة فقط في عام 2016. مع ذلك، فإن معظم هذه المشاريع صغيرة النطاق وتركز على الاحتياجات المباشرة للسكان: كخدمة توصيل طعام مدعومة بالذكاء الاصطناعي، أو تطبيق يساعد الناس على الاستعداد لامتحانات القبول في كليات الطب. ولا تزال الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المتقدمة - تلك التي تبني أنظمة الذكاء الاصطناعي الأساسية أو الأجهزة المتطورة - تشكل نسبة ضئيلة من منظومة الذكاء الاصطناعي في الهند، ولم تُنتج حتى الآن أي شيء يُضاهي «تشات جي بي تي» أو «ديب سيك».
وقد قفزت الهند من المركز السابع إلى الثالث في أحدث مؤشر عالمي لحيوية الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد، وهو أداة تقارن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي بين الدول.
فلا يزال الإنفاق المحلي الإجمالي للهند على البحث والتطوير يتراوح بين 0.6% و0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من منافسيها، كما أن مشاركة القطاع الخاص في البحث والتطوير متواضعة نسبياً. كما تتأخر الهند في قدرتها على تصنيع رقائق الحاسوب الأساسية للذكاء الاصطناعي.
يقول الدكتور «ميهروترا»، الأستاذ الزائر في جامعة باث بالمملكة المتحدة: «تتطلب استراتيجية انتقال جاد تطويراً هائلاً في تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فضلاً عن زيادة الاستثمار في البحث والتطوير». ويضيف أنه من دون بيئة ابتكارية أقوى، ستواجه الهند صعوبة في المنافسة على طليعة تطوير الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، تعمل الهند مع بعض المزايا الرئيسية في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد دفعت قيود التأشيرات الأميركية نخبة من المواهب التقنية إلى العودة إلى الهند، مما يغذي ازدهاراً محلياً في مراكز البيانات. وتستضيف البلاد الآن نحو 1700 إلى 1800 مركز قدرة عالمي، التي تتولى بشكل متزايد أبحاثاً رفيعة المستوى وتطوير منتجات ضرورية لتحقيق اختراقات في الذكاء الاصطناعي.
وأشاد المتحدثون في القمة بالبنية التحتية الرقمية العامة للهند، إذ يغطي نظام الهوية البيومترية Aadhaar في البلاد أكثر من 1.3 مليار شخص، بينما يعالج نظام واجهة المدفوعات الموحدة مليارات المعاملات شهرياً، ما يجعل الهند واحدة من أكبر أسواق المدفوعات الفورية في العالم. كما أن انخفاض تكلفة بيانات الهاتف المحمول وانتشار الهواتف الذكية أوصلا مئات الملايين إلى الإنترنت خلال العقد الماضي، وكانت الشركات الهندية - في المجمل - أكثر حماساً لتبنّي الذكاء الاصطناعي مقارنة بنظيراتها في الخارج.
ويرى المسؤولون أن هذه البنية الرقمية - التي تربط الهوية وأنظمة المدفوعات والبيانات - تمنح الهند أساساً قوياً لتوسيع أدوات الذكاء الاصطناعي في الخدمات العامة والزراعة والرعاية الصحية وتمويل المشروعات الصغيرة.
*كاتب هندي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»