بعد مرور 4 سنوات على الحرب الأوكرانية، مَنْ هو الطّرَف الرابح من الناحية الجيوسياسية؟ بالنسبة لروسيا، هل حققت أهدافها؟ ففي عام 2014، حصل فلاديمير بوتين على شبه جزيرة القرم، لكنه «خسر» أوكرانيا. ومنذ عام 2022 ما زالت روسيا تسيطر على أراضٍ لن تعيدها.
كان طموح بوتين حينما تولّى السلطة هو استعادة مجد روسيا وعظمتها، وهو ما نجح في تحقيقه حتى عام 2022 لأنه استطاع بالفعل خلال تلك الفترة أن يؤكد أن روسيا أضحت أفضل حالاً مما كانت عليه قبل ذلك. غير أنه منذ عام 2022، شهدت روسيا تحديات ملحوظة، فصحيح أن اقتصادها لم ينهر تحت وطأة العقوبات - والفضل في ذلك يرجع إلى اقتصاد الحرب الذي انتهجته - إلا أنها اليوم تتحمل تكاليف الحرب وستظل تدفعها في السنوات القادمة. ومع أنها لم تصبح معزولة عن بقية العالم، خلافاً لما كان يأمله الغرب، وسيكون من الصعب على روسيا الخروج من اقتصاد الحرب هذا، كما أن اعتمادها على الصين ما فتئ يزداد ويكبر.
أوكرانيا بلد عانى كثيراً من الدمار البشري والمادي. غير أنها رغم خسارتها الفعلية لأراض لن تستعيدها، إلا أنها اكتسبت مكانة جديدة. ذلك أن الكثيرين كانوا يتحاشون التعامل مع هذا البلد ويتجنّبونه بسبب مشكلات تتعلق بالفساد.
أما اليوم، فقد حصلت أوكرانيا على وضع دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وأصبحت جديرة بالاحترام. كما أنها تحظى بدعم قوي وثابت من الأوروبيين الذين بذلوا جهوداً كبيرة من أجلها. فهل ستختار أوكرانيا طريق التنمية وتضع حداً للفساد حقاً؟ الواقع أنها تمتلك الإمكانات للتطور وتحقيق التنمية، رغم فقدانها لجزء من أراضيها.
أما الخاسرون الكبار في هذه الحرب، فهم بلا شكٍّ الأوروبيون لأن زمن الغاز الرخيص القادم من روسيا قد ولّى، ولأنهم تخلّوا عن مليارات الأصول في روسيا لكي لا يدعموا جهود الحرب الروسية، ثروة آلت مباشرة إلى الأوليغارشيين الروس المقربين من بوتين. وفي الأثناء، زادت دول الاتحاد الأوروبي من نفقاتها العسكرية على حساب قطاعات أخرى، وزادت من اعتمادها على الولايات المتحدة في مجال الطاقة والمعدات العسكرية.
واللافت أنه في وقت ما فتئ يقول فيه دونالد ترامب ويكرر إنه سيوقف المساعدة لأوكرانيا وإنه يعتبر الاتحاد الأوروبي عدوا، ما زالت الدول الأوروبية تتظاهر بأنه حليف جيد لها، وذلك لأن الأوروبيين جد مهووسين بفكرة الحفاظ على الوجود الاستراتيجي الأميركي في أوكرانيا لدرجة أنهم مستعدون لتقديم كل التنازلات، رغم أن الحفاظ على سيادة أوكرانيا أدى بشكل من الأشكال إلى الحد من سيادة دولهم تجاه الولايات المتحدة. ثم إنه إذا لم يكن أمام الدول الأوروبية خيار آخر سوى دعم أوكرانيا لأسباب مبدئية وأخرى تتعلق بالمصلحة، فإنها تبنّت بالكامل أهداف الحرب التي رسمتها كييف. والحال أنه كان بإمكانها مناقشة وجاهة تلك الأهداف وجدواها. كما أن إصرار الدول الأوروبية على مطالبة دول «الجنوب العالمي» بفرض عقوبات على روسيا، رغم أن أياً منها لم يفعل ذلك، ساهم أيضاً في إبراز ضعفها.
الصين أيضاً فائزة في هذه الحرب.
ففي البداية، كانت الحرب عاملاً مزعزعاً للاستقرار بالنسبة لبكين، غير أن هذه الأخيرة سرعان ما جنت فوائد منها من خلال زيادة نفوذها على روسيا، ولكن أيضاً من خلال ظهورها بمظهر قوة تجنح للسلم في أعين بقية العالم، حيث أضحى بإمكانها أن تقول للعالم إنها غير متورطة في الصراع على عكس الأوروبيين والغربيين. كما يمكنها أن تظهر بمظهر قوة ترغب في السلام وتؤيد وقف إطلاق النار، وهو ما يتوافق مع مصالح العديد من بلدان الجنوب العالمي.
أما بلدان الجنوب العالمي، فإنها لم تشعر بأنها معنية بهذه الحرب. وقد وقفت في الغالب على الحياد بين أوكرانيا وروسيا، على الرغم من أن ثلثيها أدانوا خلال التصويت في الأمم المتحدة الحرب، ولكن من دون أن يذهبوا إلى حدّ الانخراط في سياسة عقوبات ضد روسيا، وذلك بدعوى أن الأمر يتعلق بمسألة تخص الغربيين فقط. كما أبدت هذه البلدان استياء من موقف الدول الغربية التي أرادتها أن تحذو حذوها بخصوص مسألة العقوبات، مع أنها لم تشارك في عملية اتخاذ القرار التي أفضت إلى فرض تلك العقوبات. وقد أكدت هذه الدول ذاتها بشكل متزايد طوال هذه الحرب، رغم ما يطبعها من تنوّع وتعقيد، واتحدت في رفضها فرض عقوبات على روسيا، معزّزة بذلك هوية يمكن وصفها بالهلامية أو غير المتبلورة تماماً، ولكنها تظل هوية جماعية في مواجهة الغرب.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية - باريس