في ظلّ التصعيد المتبادل بين واشنطن وطهران، وما رافقه من ضربات ورسائل عسكرية متبادلة، وعدوان إيراني سافر ينتهك القوانين الدولية على الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، برزت إلى السطح حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاهلها: حين تحتدم المواجهة بين قوة كبرى ودولة إقليمية طامحة إلى تثبيت نفوذها، تصبح الساحات العربية القريبة ممراً للرسائل النارية. وقد شهدت المرحلة الأخيرة اعتداءات صاروخية واستهدافات مباشرة أو غير مباشرة طالت منشآت مدنية وبنى تحتية في دول الخليج، بما أعاد طرح السؤال الجوهري: لماذا تُستخدم الجغرافيا العربية كمنصة ضغط في صراعٍ لا تُعدّ طرفاً أصيلاً فيه؟
إنّ هذه الوقائع تجعل من الحديث عن أمن الخليج مسألةً راهنة لا تنظيراً سياسياً معزولاً عن التطورات. الإمارات أثبتت جاهزيتها وقدراتها الفائقة في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، وأكدت سياستها الواعية القائمة على الدبلوماسية والحوار والاستقرار والسلام.
لم تعد الحروب في الإقليم تُقاس بعدد الطلعات الجوية أو بكثافة النيران فحسب، بل بمدى قدرتها على إعادة تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية في فضاءٍ شديد الحساسية. نحن أمام صراعٍ تتداخل فيه الجغرافيا بالطاقة، والممرات البحرية بالتحالفات الكبرى، والملفات النووية بحسابات الردع الإقليمي. ومن ثم فإن قراءة المشهد لا تستقيم بمنطق الانفعال، بل بميزانٍ جيوسياسي يضع المصالح العليا فوق الشعارات.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الخليج العربي لم يعد مجرد حوضٍ للطاقة، بل عقدة توازن دولي. واستقرار أسواق النفط، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وسلامة البنى التحتية الحيوية، عناصر تتجاوز الإطار المحلي إلى بنية النظام العالمي نفسه. ولهذا فإن أي اهتزازٍ أمني في هذه المنطقة ينعكس فوراً على الأسواق الدولية، ويعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى.
ومن هنا يتضح أن أمن الخليج ليس قضية حدود، بل قضية نظام إقليمي برمّته. وفي المقابل، تعتمد بعض المقاربات الإقليمية على منطق الضغط غير المتكافئ؛ صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، وشبكات مسلحة عابرة للحدود، وتكتيكات استنزاف تُدار عبر وكلاء. هذا النمط لا يستهدف بالضرورة تحقيق حسمٍ عسكري مباشر، بل فرض وقائع سياسية على طاولة التفاوض.
غير أن توجيه الرسائل عبر المدن العربية الآمنة، أو تعريض المنشآت المدنية للخطر، يوسّع دائرة الصراع ويقوّض أسس الثقة التي يمكن أن تُبنى عليها أي تسوية مستقبلية. إن التحدي الأكبر لا يكمن في المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، بل في استدامة «الحرب الرمادية» التي تُبقي الإقليم في حالة توتر دائم.
فالتصعيد المحسوب، والضربات المحدودة، والبيانات المتبادلة، كلها أدوات لإدارة الصراع دون بلوغ حد الانفجار الشامل. غير أن هذا التوازن الهشّ يظل رهين سوء تقدير أو خطأ حسابي قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع، تكون كلفتها باهظة على العواصم العربية أولاً. وأمام هذا المشهد، برزت مقاربة خليجية عقلانية رسختها دولة الإمارات، وتقوم على تعزيز القدرات الدفاعية لحماية المجال الحيوي للدولة، وتنويع الشراكات الدولية بما يحفظ هامش الحركة الاستراتيجية، والعمل الدبلوماسي الحثيث لخفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة.
هذه المقاربة لا تنطلق من مثالية خطابية، بل من إدراكٍ بأن الاستقرار شرط التنمية، وأن الاقتصادات المنخرطة في النظام العالمي لا تحتمل مقامرات عسكرية ممتدة. والرهان الحقيقي اليوم هو على تحويل منطق الردع إلى منطق توازن مستدام. فالردع يمنع الانفجار، لكنه لا يكفي لبناء سلامٍ دائم. أما التوازن فيفترض احترام سيادة الدول، وتحييد البنى المدنية والممرات البحرية عن حسابات الضغط المتبادل، والاعتراف بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن أوسع عربياً وإسلامياً وعالمياً.
وفي المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة تقف أمام اختبار تاريخي: إما أن تُستدرج إلى سباق استنزاف طويل يُعيد إنتاج الأزمات، أو أن تنجح في تثبيت معادلةٍ جديدة تقوم على الردع المتوازن والحوار المسؤول. وبين هذين الخيارين، يبقى أمن الخليج محور المعادلة، والضامن لأي انتقال من زمن التوتر الدائم إلى أفق استقرارٍ أكثر رسوخاً.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.