الهجوم الإيراني على دول الخليج، رداً على الضربات الأميركية–الإسرائيلية داخل إيران، لا يمكن قراءته كحادثة عسكرية معزولة ضمن معادلة «الفعل ورد الفعل». ما جرى يكشف عن خلل أعمق في منطق إدارة الصراع، حيث تتقدم الأيديولوجيا على حسابات الدولة، ويتغلب منطق الثورة على ضرورات التوازن الإقليمي. والصراع في جوهره كان بين إيران وخصومها المباشرين، أما إدخال دول الخليج في دائرة الاستهداف، فهو توسيع غير محسوب لمساحة المواجهة.
هذه الدول لم تكن طرفاً مباشراً في الضربات، واستهدافها لا يحقق توازن ردع حقيقياً، بل يخلق اصطفافاً أوسع ويمنح الخصوم ذريعة سياسية لتوسيع نطاق تحركهم. والردع الذكي يضبط الرسالة ويحدد نطاقها، أما الردع غير المنضبط فيُنتج خصوماً جدداً ويُضاعف الكلفة. والإشكالية لا تكمن في الرد ذاته، بل في طبيعة العقلية التي تقود القرار. وحين تُدار السياسة الخارجية بعقلية ثورية مؤدلجة ترى في الإقليم مجالاً دائماً لإعادة تشكيل النفوذ، يصبح التصعيد خياراً ميسوراً حتى لو تعارض مع المصلحة الوطنية بعيدة المدى. وفي هذا السياق، تبدو مراكز القوة العقائدية داخل النظام الإيراني أكثر تأثيراً من أي توجه تكنوقراطي أكثر انفتاحاً، ما يجعل منطق الأيديولوجيا متقدماً على منطق الكلفة والعائد.
استهداف الخليج ليس مجرد رسالة عسكرية، إنه مساس مباشر بمنظومة استقرار إقليمي تم بناؤها عبر عقود. هذه الدول قامت على نموذج تنموي يعتمد على أمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، وجذب الاستثمارات العالمية. وأي تهديد مباشر لهذا النموذج لا يُفسر كجزء من صراع محدود، بل كاعتداء على بنية اقتصادية دولية مترابطة، بما يرفع كلفة التصعيد على الجميع. إن استحضار اللحظة التي أفضت إلى تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مطلع الثمانينيات ليس تذكيراً تاريخياً فحسب، بل قراءة واقعية لمعادلة أمنية لا تزال قائمة. المخاطر البنيوية التي دفعت دول الخليج إلى التنسيق المشترك لم تختفِ، بل تعود اليوم بصيغ أكثر تعقيداً.
وما حدث قد لا يؤدي إلى إضعاف هذا التنسيق، بل إلى تعزيزه وتماسكه بصورة أكبر. الخطأ الاستراتيجي في استهداف الخليج أنه لا يخدم حتى المصلحة الإيرانية ذاتها. فبدلاً من حصر المواجهة في إطارها الأصلي، تم توسيعها إلى فضاء إقليمي أكثر حساسية وتشابكاً.
وفي عالم شديد الترابط، فإن توسيع دائرة النار يعني تسريع الاصطفافات، وتعميق العزلة، ورفع سقف المخاطر على الطرف الذي بادر بالتصعيد. والقوة ليست في القدرة على إطلاق الصواريخ، بل في القدرة على إدارة الصراع دون تحويله إلى مواجهة مفتوحة. وحين تتحول الأيديولوجيا إلى بوصلة القرار، يصبح الأمن رهينة للمغامرة، وتصبح المنطقة كلها أمام معادلات أكثر تعقيداً مما كان يمكن تجنبه لو حُدد نطاق المواجهة بدقة منذ البداية.
*لواء ركن طيار متقاعد