مع كثرة استدعاء الفتاوى في المواسم الدينية، نتناسى أحياناً مركزية المباح في الشريعة الإسلامية، ولو عدنا إلى مفهوم «المباح» لوجدنا هيمنته على الجزء الأوسع بالشريعة، بل هو المركز الفارز والضابط للمحرمات القليلة في آية (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرمَ رَبُكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إِمْلَاق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُم وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن وَلَا تَقْتُلُوا النَفْسَ التي حَرمَ اللَهُ إِلَا بِالْحَق ذَلِكُمْ وَصَاكُم بِهِ لَعَلَكُمْ تَعْقِلُونَ) سورة الأنعام (151).
نعم لقد كاد أن يُهجر ركنٌ أساسي بالتأصيل الفقهي المعتمد على أصالة الإباحة في كل شؤون الدنيا، باستثناء ما ورد به نص، وقد تم استغلال تردد المباح بين المندوب والمكروه والمحرم لتحويل الكثير من المتروكات شرعاً، إذ لم ينصّ عليها رحمةً غير نسيانٍ كما في الحديث الصحيح، وبعد عصورٍ من الانحطاط وانتشار الحشوية الفقهية لدرجة تداول أثر وسواسي النزعة «إن استطعت ألا تحك شعرك إلا بأثرٍ فافعل» مهما صحت نسبة هذا القول لفقيهٍ أو محدّث فإنه يخالف أصول الشريعة، بعد كل ذلك جاءت الأطروحات الأنيقة وسط كومة من التكرار، وأعني بها مثلاً «الموافقات» للإمام الشاطبي، و«غياث الأمم في التياث الظلم» للإمام الجويني، وضع الأول المباح ضمن ضرورة التكيف الدنيوي، بينما يصف الجويني المباح بأنه «الحق في التقلب بالعيش».
يحلّل الباحث عبد المجيد الصغير في أطروحته «الفكر الأصولي وإِشكالية السلطة العلمية في الإسلام - قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة» هذا الباب، وفي الفصل الثامن، إذ يخصّصه بتحليل مركزية المباح في علم أصول الفقه وانتعاش الأبحاث فيه مع تطور على مقاصد الشريعة، يكتب محللاً: «ليس غريباً أن يستهل الشاطبي مراجعته النقدية لإشكالية الأمر والطاعة بتفصيله القول في مفهوم المباح، مفضلاً البداية هكذا بنقد موقف متشدّد من الأحكام الشرعية، عرف انتشاراً خاصاً بين الأوساط الصوفية وتسرب كرأي شاذ إلى علم الأصول، يلحق المباح بمرتبة المكروه والحرام ويجعله من ثم مطلوب الاجتناب، نازعاً عنه طابع التخيير المتميز به في الخطاب الشرعي».
إن الإمام الشاطبي حلّل التيارات المتزمتة فقهياً والتي تحارب المباح، باعتباره منطقة ليست محايدة وإنما يجب أن تردم من خلال تضخيم المحرمات وتوسيع الورع وتأميمه جماعياً وإلزام المجتمعات بالتحوطات الشخصية، وهذا عدوان على أصالة المباحات الدنيوية التي لم تتركها الشريعة نسياناً وإنما عن قصدٍ لتوسيع حركة الناس ومنحهم الحق في التمتع الدنيوي.
الخلاصة، أن المباح تعرّض للتحكم السلطوي من التيارات السياسية وذلك بغية حكم المجتمع وسوسه بسوط النجاة الأخروية في حال الانضواء ضمن البرامج السياسية وهذه فعلة الحركات الأصولية في المجتمعات الإسلامية سواء منها المنتمية لمسميات أهل الحديث، أو «الإخوان المسلمين»، أو «القاعدة» وما تفرع عنها من تنظيماتٍ إرهابية مارقة.
*كاتب سعودي