بعد أسابيع من زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، إلى العاصمة الهندية، حيث أجرى محادثات مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي، جاءت زيارة سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، إلى الهند، لتؤكد أهمية العلاقات بين دولة الإمارات العربية المتحدة والهند. هذه الزيارة تُعد الزيارة الرسمية الثانية لولي عهد أبوظبي، الذي سبق له زيارة الهند في سبتمبر 2024. وجاءت زيارته هذه المرة للمشاركة في قمة الذكاء الاصطناعي وعقد لقاءات ثنائية على هامش القمة.
وعقب الاجتماع، تم تأكيد أهمية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الهند والإمارات، والتي تقوم على أُسس متينة من العلاقات السياسية والثقافية والتجارية والطاقة، فضلاً عن الروابط الشعبية القوية.
شهدت العلاقات الثنائية بين البلدين تقدماً ملحوظاً، حيث أكد الجانبان إحراز تقدم في مجالات متعددة تشمل الدفاع والأمن، والتجارة والاستثمار، والتعليم والتعاون الثقافي. وأشاد الزعيمان بتدفقات الاستثمارات المتبادلة، وشجّعا صناديق الثروة السيادية الإماراتية على مواصلة الاستثمار في الاقتصاد الهندي. كما ناقشا فرص التعاون في قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا، والطاقة النووية، والفضاء، والابتكار.
ووقّع الجانبان عدداً من الاتفاقيات، من بينها مذكرة تفاهم بين وزارتي الصحة تهدف إلى تعزيز التعاون في قطاع الصحة والطب. وستسهم الاتفاقية في تعزيز التبادل المهني، والبحوث المشتركة، ومبادرات الصحة الرقمية، والتعاون الدوائي، وتطوير التقنيات الطبية الحديثة، بما يعود بالنفع على مواطني البلدين. كما ناقش الجانبان التعاون بين مركز تطوير الحوسبة المتقدمة في الهند، وشركة G42 القابضة للحوسبة السحابية، وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، لنشر مجموعة من الحواسيب العملاقة في الهند.
وتشهد العلاقات بين الهند والإمارات نمواً متسارعاً، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 124 مليار دولار في عام 2024–2025. ويرتبط البلدان باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، التي أسهمت في دفع العلاقات التجارية إلى مستويات أقوى يوماً بعد يوم. وتشمل أبرز صادرات الهند إلى الإمارات المنتجات البترولية، والأحجار الكريمة، والمجوهرات، والمعادن الثمينة.
كما تربط البلدين علاقة وثيقة، ففي الإمارات نحو 3.5 مليون هندي يسهمون بتحويلات سنوية تتراوح بين 15 و18 مليار دولار في الاقتصاد الهندي. وخلال الفترة من أبريل 2000 إلى سبتمبر 2024، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الإمارات إلى الهند نحو 22 مليار دولار، ما يمثّل 3.1% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد، مما يجعل الإمارات سابع أكبر مصدر للاستثمارات في الهند. كما تعهدت الإمارات باستثمار 75 مليار دولار في قطاع البنية التحتية الهندي على مدى فترة زمنية محددة. وخلال زيارة الرئيس الشيخ محمد بن زايد الأخيرة، تم توقيع العديد من الاتفاقيات بين الجانبين. وشملت هذه الاتفاقيات إطاراً للتعاون الدفاعي، ومبادرة فضائية مشتركة، وتحديد هدف للوصول بحجم التجارة الثنائية إلى 200 مليار دولار، والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وإنشاء سفارات بيانات، إضافة إلى اتفاقية لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة عشر سنوات.
وإلى جانب زيارة ولي عهد أبوظبي، استقبل رئيس الوزراء ناريندرا مودي عدداً من القادة السياسيين، من بينهم الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، ورئيس الوزراء الهولندي «ديك سخوف»، ورئيس سويسرا «جي بارميلان»، ونظيره اليوناني «كيرياكوس ميتسوتاكيس». وتبادل مودي مع السيد سخوف وجهات النظر حول تسخير الذكاء الاصطناعي كعامل تمكين للتحول الاقتصادي والاجتماعي. كما أكدا التزامهما بالتنفيذ المبكّر لاتفاقية التجارة الحرة بين الهند وأوروبا، والتي اختُتمت مفاوضاتها مطلع هذا العام. وناقش مودي مع الرئيس السويسري تعزيز التعاون في المجال الاقتصادي، بما في ذلك التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، بالإضافة إلى شراكات مستقبلية في مجال ابتكارات الذكاء الاصطناعي.
وشكّلت قمة الذكاء الاصطناعي فرصةً للهند لتعزيز علاقاتها على المستوى الثنائي. وقد أجرى عدد من القادة الأجانب، الذين حضروا القمة، محادثات ثنائية مع الهند. كما وقّع البلدان إعلان دلهي. شملت الدول الموقّعة الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، والصين، وألمانيا، وفرنسا، واليابان، وأستراليا، وكندا، والبرازيل، وإيطاليا، وإسبانيا، وكوريا الجنوبية، والمملكة العربية السعودية، وروسيا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية.
وسعى إعلان نيودلهي إلى بلورة رؤية مشتركة لـ «ذكاء اصطناعي تعاوني، وموثوق، ومرن، وفعّال». ودعا الإعلان إلى تعزيز التعاون الدولي وإشراك مختلف الجهات المعنية، مع احترام السيادة الوطنية، مؤكداً على ضرورة تقاسم فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل عادل. وشملت الركائز الأساسية «إتاحة موارد الذكاء الاصطناعي للجميع»، أي استخدام الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الرقمية وتوفير اتصال ميسور التكلفة، و«النمو الاقتصادي والخير الاجتماعي»، إقراراً بدور الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة التحول الاقتصادي والتنمية الاجتماعية. إضافة إلى ركيزة «الذكاء الاصطناعي الآمن والموثوق» التي تؤكد أهمية الأمن، والمتانة التقنية، والثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. ولا شك أن القمة وفّرت للهند فرصة لتعزيز علاقاتها الثنائية مع عدد كبير من الدول حول العالم.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي