ي التاسع عشر من رمضان من كل عام، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة وقفة وفاء واستذكار لرجلٍ لم يكن مجرد قائدٍ لدولة، بل كان مدرسةً إنسانيةً في العطاء والبذل والخير. ففي هذا اليوم تُحيي الإمارات يوم زايد للعمل الإنساني، الذي ارتبط بذكرى رحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، ليكون مناسبة وطنية وإنسانية تستحضر إرثه الخالد وتستعيد القيم التي رسّخها في وجدان الإمارات والعالم.
لقد اختارت دولة الإمارات أن تحوّل يوم رحيل الشيخ زايد في التاسع عشر من رمضان إلى يومٍ مضيءٍ في الذاكرة الوطنية والإنسانية. فبدلاً من أن يبقى هذا التاريخ مجرد لحظة حزن على غياب القائد المؤسس، أصبح مناسبة للفخر بما تركه من أثرٍ عميق في مسيرة العطاء الإنساني. وهكذا تحوّلت الذكرى إلى فعلٍ حيّ يتجدّد كل عام، ويستلهم من سيرة زايد أسمى معاني الكرم والتكافل والتضامن الإنساني.
لم يكن العمل الإنساني في فكر الشيخ زايد ممارسة عابرة أو مبادرة ظرفية، بل رؤية راسخة تنبع من إيمانٍ عميق بأن الخير مسؤولية مشتركة بين البشر. وقد عبّر عن ذلك بوضوح حين قال: «إننا نؤمن بأن خير الثروة التي حبانا الله بها يجب أن يَعُمَّ أصدقاءنا وأشقاءنا». بهذه الروح فتح زايد أبواب العطاء أمام الجميع، فجعل من الإمارات جسراً للخير يمتد إلى مختلف أنحاء العالم، دون تمييز بين دين أو عرق أو ثقافة.
لقد تجلّى هذا النهج في آلاف المبادرات والمشروعات الإنسانية والتنموية التي امتدت آثارها إلى عشرات الدول، من بناء المستشفيات والمدارس، إلى دعم برامج التنمية والإغاثة ومساعدة المتضررين من الكوارث. وكان زايد يرى أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن كرامته وصحته وتعليمه هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الإنسانية.
واليوم، تمضي القيادة الرشيدة في دولة الإمارات على هذا النهج الأصيل، محافظةً على رسالة زايد ومطوّرةً أدواتها لتواكب تحديات العصر. فقد أصبح العمل الإنساني الإماراتي مؤسسياً منظّماً يقوم على التخطيط والاستدامة والتكامل بين مختلف المؤسسات. وفي هذا السياق برزت مؤسسة إرث زايد الإنساني بوصفها مظلّة جامعة للجهات والمؤسسات المرتبطة بإرث الشيخ زايد الخيري، لتواصل ترجمة رؤيته إلى مبادرات وبرامج تخدم الإنسان أينما كان.
إنّ أهمية يوم زايد للعمل الإنساني لا تكمن فقط في استحضار الماضي، بل في تأكيد استمرارية الرسالة. فهو يوم يذكّر الأجيال بأن العطاء جزء من هوية الإمارات، وأن روح زايد ما زالت حاضرة في السياسات والمبادرات التي تقودها الدولة في مجالات التنمية والإغاثة والأعمال الخيرية.
وفي كل عام، تتجدّد في هذا اليوم مبادرات التطوع والتبرع والمشروعات الإنسانية، في مشهد يعكس تلاحم المجتمع الإماراتي والتفافه حول القيم التي غرسها القائد المؤسس. فالإماراتيون، مواطنين ومقيمين، يدركون أن أفضل وفاء لزايد هو أن يستمر الخير الذي بدأه، وأن تبقى الإمارات منارة للعطاء الإنساني في العالم.
إن يوم زايد للعمل الإنساني يظل أكثر من مجرد مناسبة سنوية، إنه رسالة متجددة تؤكد أن إرث زايد ليس ذكرى في كتب التاريخ، بل روحٌ حيّة تسري في ضمير الوطن، وتستمر في صناعة الأمل للإنسان أينما كان. فكما كان زايد أباً لشعبه، كان أيضاً نصيراً للإنسانية، وما زرعه من خيرٍ في هذه الأرض امتد ليضيء قلوباً كثيرة حول العالم، وسيظل كذلك ما دامت الإمارات وفيةً لرسالته.
وفي هذه الأيام التي تشهد فيها دولة الإمارات اعتداءات غاشمة استهدفت أراضيها من دولةٍ جارة، يكتسب يوم زايد للعمل الإنساني قيمة إضافية، إذ يتجلّى للجميع، وبوضوح، الفارق بين النهجين اللذين تسير عليهما الدول في رؤيتها للعالم ودورها فيه. فبينما اختارت الإمارات منذ تأسيسها أن تكون دولة سلام وعطاء، تمدّ يد الخير إلى الجميع، وتكرّس مواردها وجهودها لخدمة الإنسان وتعزيز التنمية والاستقرار، تصرّ بعض الدول على سلوك طريقٍ آخر يقوم على الأذى والعنف وزعزعة الأمن. وهنا يبرز إرث الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، أكثر إشراقاً، إذ يذكّرنا بأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من قدرات، بل بما تقدمه للإنسانية من خيرٍ ورحمة. ودولة الإمارات، وعلى الرغم من كل التحديات، ستظل في ظل قيادتها الرشيدة وفيةً لرسالتها الإنسانية، تجمع بين القدرة على حماية وطنها والدفاع عنه، واستمرارها في أداء دورها الحضاري بوصفها جسراً للخير والسلام في العالم.
*كاتب إماراتي